icon news
لم يكن الإمام السيد موسى الصدر رجل دينٍ تقليديًا، ولا زعيمًا طائفيًا جاء ليضيف طائفة إلى خريطة الصراع اللبناني. كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا، حمل همّ الإنسان قبل أن يحمل عناوين السياسة، وحوّل حرمان الأطراف من شكوى صامتة إلى قضية وطنية، وربط مقاومة الاحتلال ببناء الدولة، وجعل من الحوار الإسلامي المسيحي فعلًا يوميًا لا شعارًا للمناسبات.
غُيّب الرجل، لكن الفكرة بقيت. وبعد عقود على اختفائه، ما زال لبنان يعود إلى كلماته كلما ضاقت به الطائفية، وكلما تُرك الجنوب وحيدًا، وكلما اتسعت المسافة بين الدولة والمحرومين.
من قم إلى صور… رحلة العالم الباحث عن الإنسان
وُلد الإمام موسى الصدر في مدينة قم الإيرانية في الرابع من حزيران عام 1928، في عائلة علمية تعود جذورها إلى بلدة شحور في جبل عامل. جمع بين الدراسة الدينية في حوزتي قم والنجف والتحصيل الأكاديمي في جامعة طهران، حيث درس الحقوق ونال إجازة في الاقتصاد السياسي، في تجربة مبكرة جمعت علوم الدين بأسئلة المجتمع والدولة والاقتصاد.
وفي أواخر عام 1959، وصل إلى مدينة صور خلفًا للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، فوجد جنوبًا يعاني الاعتداءات الإسرائيلية والإهمال الرسمي والفقر والهجرة وغياب المؤسسات. ولم يتعامل مع هذا الواقع بصفته قدرًا محتومًا، بل باعتباره خللًا يجب تغييره بالعلم والتنظيم والعمل الاجتماعي.
لم يوزّع المساعدات… بل بنى المؤسسات
أدرك الإمام الصدر أن الفقر لا يُعالج بخطاب عاطفي ولا بمساعدة موسمية، بل بتمكين الإنسان وحفظ كرامته. لذلك أعاد تنظيم جمعية البر والإحسان، وأسهم في إنشاء مؤسسات تربوية وصحية واجتماعية ومهنية، وفي مقدمتها مؤسسة جبل عامل المهنية.
عمل على مكافحة التسول، وإطلاق برامج لمحو الأمية، وتعليم المهن، وإشراك المرأة في العمل التنموي، وتوفير فرص حقيقية لأبناء العائلات الفقيرة. كان يريد للمحتاج أن يصبح منتجًا، وللمحروم أن يتحول من طالب مساعدة إلى صاحب حق ودور.
وهنا تكمن فرادة تجربته: لم تكن مؤسساته بديلًا من الدولة، بل نموذجًا لما ينبغي أن تفعله الدولة عندما تتحمل مسؤولياتها.
المجلس الشيعي… تنظيم الطائفة لا عزلها
خاض الإمام الصدر معركة إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، انطلاقًا من ضرورة تنظيم شؤون الطائفة الشيعية ورفع الغبن عنها ضمن الدولة اللبنانية، لا خارجها. أقرّ مجلس النواب قانون إنشاء المجلس عام 1967، وانتُخب الإمام الصدر أول رئيس له في أيار 1969.
لم يكن هدفه بناء جدار طائفي جديد، بل إعطاء الشيعة موقعهم الطبيعي في الدولة، بعد سنوات طويلة من التهميش السياسي والإنمائي. وقد أراد للمجلس أن يكون أداة دفاع عن الحقوق، ومنبرًا للوحدة الوطنية، وجسرًا يربط أبناء الطائفة بمؤسسات وطنهم.
حركة المحرومين… الوطن يبدأ من أطرافه
في عام 1974، أطلق الإمام الصدر حركة المحرومين، لكن اسمها لم يكن محصورًا بطائفة أو منطقة. كانت، في جوهرها، حركة كل من حُرم حقه في التعليم والعمل والصحة والأمن والإنماء.
فالمحروم، في مشروع الصدر، ليس ابن الجنوب أو البقاع فقط، بل كل مواطن تركته الدولة خلفها. ولذلك رفع مطلب الإنماء المتوازن قبل أن يصبح مادة دستورية، وطالب بإزالة الفوارق بين العاصمة والأطراف، وببناء دولة العدالة وتكافؤ الفرص.
كان يعرف أن الحرمان ليس مجرد مأساة اجتماعية، بل قنبلة سياسية يمكن أن تهدد وحدة البلاد. فالدولة التي لا تصل إلى القرى بمدارسها ومستشفياتها ومشاريعها، تترك فراغًا يملؤه اليأس والانقسام.
المقاومة… دفاع عن الأرض والإنسان
مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، أدرك الإمام الصدر أن القرى الحدودية لا تستطيع انتظار البيانات الرسمية. طالب الدولة بحماية الجنوب، وتسليح الجيش وتعزيز حضوره، وتدريب المواطنين على الدفاع عن أرضهم، وربط الصمود بالأمن والإنماء.
ومن رحم حركة المحرومين، وُلدت عام 1975 «أفواج المقاومة اللبنانية» التي عُرفت اختصارًا باسم «أمل». لم تكن المقاومة في فكره نقيضًا للدولة، بل ضرورة تفرضها لحظة عجز الدولة عن حماية أرضها وأبنائها، إلى أن تصبح قادرة على أداء واجبها السيادي.
لقد فهم مبكرًا أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها، بل يريد إفراغها من أهلها. ولذلك جمع بين البندقية والمدرسة، وبين الدفاع والتنمية، مؤكدًا أن بقاء الجنوبي في قريته شكل من أشكال المقاومة.
رجل الوحدة في زمن المتاريس
في الثامن عشر من شباط عام 1975، وقف الإمام موسى الصدر على منبر كنيسة الآباء الكبوشيين في بيروت، وألقى عظة الصوم أمام جمهور مسيحي. لم يكن المشهد استعراضًا إعلاميًا، بل ترجمة لرؤيته بأن الأديان تلتقي عندما تكون في خدمة الإنسان، وتفترق عندما تتحول إلى أدوات للمصالح والعصبيات.
وحين اندلعت الحرب الأهلية، رفض التقسيم والاقتتال الطائفي، وتحرك بين القيادات والمناطق محاولًا وقف الانهيار. كان يؤمن بأن لبنان لا يُحفظ بغلبة طائفة على أخرى، بل بشراكة حقيقية تقوم على العدالة والمساواة والكرامة.
وفي ورقة الإصلاح التي أعلنها عام 1977، قدّم تصورًا متقدمًا للبنان: وطن واحد موحد، عربي الانتماء، ديمقراطي برلماني، يقوم على الحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة، ويرفض التقسيم والامتيازات الفئوية.
رحلة ليبيا… وبداية جريمة التغييب
في الخامس والعشرين من آب عام 1978، وصل الإمام موسى الصدر إلى ليبيا تلبية لدعوة رسمية، برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، في إطار جولة عربية هدفت إلى حشد الدعم للبنان والجنوب بعد الاجتياح الإسرائيلي.
وفي الحادي والثلاثين من آب، انقطعت أخبار الرجال الثلاثة. ادعى نظام معمر القذافي أنهم غادروا الأراضي الليبية إلى إيطاليا، إلا أن التحقيقات اللبنانية والإيطالية دحضت هذه الرواية، وبقيت القضية مفتوحة بوصفها جريمة تغييب لم يُكشف مصير ضحاياها حتى اليوم.
لم تكن الجريمة تستهدف شخصًا فقط، بل مشروعًا كان قادرًا على تغيير معادلات كثيرة في لبنان والمنطقة.
الحاضر أكثر من الغائب
تكمن قوة الإمام موسى الصدر في أن أسئلته ما زالت حاضرة: أين الدولة من الجنوب؟ أين الإنماء المتوازن؟ كيف تُحمى المقاومة من الاستثمار الداخلي؟ وكيف تُبنى طائفة قوية داخل وطن قوي، لا على أنقاضه؟
كان رجل طائفة، لكنه لم يكن طائفيًا. حمل قضية المحرومين، لكنه لم يجعل الحرمان وسيلة للهيمنة. أسس المقاومة، لكنه أرادها درعًا للوطن. ودافع عن الجنوب، لأنه رأى فيه بوابة السيادة اللبنانية لا هامش الجمهورية.
الإمام موسى الصدر ليس شخصية من الماضي نحيي ذكراها، بل مشروع دولة لم يكتمل، وفكرة وطن لا يزال اللبنانيون يبحثون عنها.
غاب الرجل في ظلمة الجريمة، لكن صوته بقي حاضرًا يقول للبنانيين إن الوطن لا يُبنى بالخوف، ولا يُحمى بالطائفية، ولا يستقر ما دام فيه إنسان محروم أو أرض محتلة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :