ايكون نيوز
لم تُقفل جلسة مجلس النواب اللبناني مساء أمس الثلاثاء على حصيلة تشريعية عادية، بل فتحت ثلاث مواجهات متزامنة: ترحيب حقوقي ودولي بإلغاء عقوبة الإعدام، اعتراض إعلامي واسع على قانون الإعلام، وانقسام سياسي وحكومي حاد حول قانون العفو العام، انتهى بانسحاب كتل نيابية وفقدان النصاب وترحيل المواجهة إلى جلسة اليوم الأربعاء.
وبذلك تحوّل البرلمان، في ساعات قليلة، من منصة لإقرار خطوة حقوقية تاريخية إلى ساحة سجالات دستورية وسياسية وشخصية، حجبت جانباً كبيراً من أهمية ما تحقق تشريعياً.
إلغاء عقوبة الإعدام… ترحيب داخلي ودولي
أبرز ما أقرّه المجلس كان قانون إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. وبمجرد استكمال مسار توقيع القانون ونشره، يصبح لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تلغي العقوبة لجميع الجرائم، بعدما امتنع عملياً عن تنفيذها منذ عام 2004.
هنّأ الاتحاد الأوروبي لبنان، معتبراً التشريع خطوة أساسية لتعزيز حقوق الإنسان ونموذجاً يمكن البناء عليه إقليمياً.
في المقابل، اعترضت كتلتا «الوفاء للمقاومة» و«لبنان القوي» على توقيت الإقرار وانسحبتا من الجلسة. وتركز اعتراض «حزب الله» على التداخل بين إلغاء الإعدام والعفو العام، إذ رأى أن الجمع بين القانونين قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى استفادة المحكوم من تخفيضين متتاليين للعقوبة. وهذه نقطة قانونية تحتاج إلى حسم دقيق في النصوص التطبيقية، كي لا يتحول الإنجاز الحقوقي إلى ثغرة تسمح بإفلات مرتكبي الجرائم الخطرة من العقاب.
قانون الإعلام… من وعود التعديل إلى إعلان المواجهة
الجبهة الثانية انفجرت بعد إقرار قانون الإعلام بصيغته الواردة من اللجان المشتركة ومن دون إدخال التعديلات التي كانت قد نوقشت عشية الجلسة مع ممثلي الجسم الإعلامي.
وزير الإعلام بول مرقص أعلن أنه سجّل اعتراضه على المادة التي تجرّم الصحافيين، مؤكداً أنه سيسعى إلى إدخال تعديلات لاحقة على القانون. وهذا الموقف كشف مفارقة واضحة: الوزير المعني بالقطاع يعترض على جزء أساسي من قانون أقرّه المجلس من دون تعديل.
أما نقابتا الصحافة والمحررين فذهبتا أبعد من ذلك. نقيب الصحافة عوني الكعكي قال إن النقابتين شاركتا في اجتماع نيابي عشية الجلسة، وخرجتا بانطباع بأن ملاحظاتهما قد اعتُمدت، ولا سيما إلغاء عقوبة السجن وتوضيح صلاحيات الهيئة المنظمة ووضع المواقع الإلكترونية، قبل أن يفاجأتا بإقرار النص الأصلي. ووصف ما حصل بأنه «خديعة»، معلناً بدء مواجهة نقابية دفاعاً عن حرية الإعلام.
ودعا نقيب المحررين جوزف القصيفي إلى مؤتمر صحافي مشترك عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم، بالتزامن تقريباً مع استئناف الجلسة النيابية، لإعلان خطة تحرك ضد القانون.
وتتمحور الاعتراضات حول المادة 104 التي تُبقي إمكان الحبس في حالات محددة، واستخدام تعبير «جرائم النشر» بما قد يفتح باب الملاحقة أمام القضاء الجزائي، إضافة إلى السماح بإنشاء نقابات إعلامية جديدة، وهو ما تخشى النقابتان أن يؤدي إلى تفتيت الجسم الإعلامي على أسس مناطقية أو طائفية.
وبذلك أصبح القانون، قبل دخوله حيز التنفيذ، مرشحاً لمعركة سياسية ونقابية وقانونية قد تشمل مطالبة رئيس الجمهورية بإعادته إلى المجلس لإعادة النظر فيه، أو إطلاق مسار سريع لتعديله. فالقانون الذي يُفترض أن يحمي حرية الإعلام لا يمكن أن يبدأ حياته التشريعية بمواجهة مفتوحة مع غالبية ممثلي الإعلاميين.
العفو العام… من ملف إنساني إلى أزمة حكومية
أما الانفجار الأكبر فوقع عند الوصول إلى قانون العفو العام، وتحديداً بسبب الخلاف على حق وزير الدفاع ميشال منسّى في عرض ملاحظات قيادة الجيش أمام الهيئة العامة.
رئيس الحكومة نواف سلام نفى أن يكون قد منع وزير الدفاع من حضور الجلسة، موضحاً أن منسّى أعد كلمة، لكنه أبلغه أن رئيس الحكومة هو الذي يتحدث باسمها استناداً إلى المادة 64 من الدستور. كما أكد أن ملاحظات الجيش كانت قد سُلّمت خطياً إلى اللجان النيابية بموافقته، وأن موقف الحكومة يقوم على «العدالة».
لكن هذا التفسير لم يقنع عدداً من النواب. فقد طالب جبران باسيل وإبراهيم كنعان وسليم عون وغسان عطا الله وآخرون بالاستماع مباشرة إلى وزير الدفاع، معتبرين أن ملفاً يمس المؤسسة العسكرية وحقوق ضحايا الاعتداءات على الجيش لا يجوز تمريره من دون سماع رأي قيادته.
واعترضت بولا يعقوبيان على هذا الطرح، معتبرة أن التضامن الحكومي وصلاحية رئيس الحكومة في التحدث باسم مجلس الوزراء يمنعان ظهور موقفين رسميين متناقضين. وتحول النقاش إلى سجال حاد بينها وبين سليم عون، فيما دخل إلياس بو صعب على الخط معتبراً أن السجال الدستوري يهدد أصل إقرار القانون.
وفي نهاية المطاف، انسحبت كتلتا «لبنان القوي» و«الوفاء للمقاومة»، وانسحب إبراهيم كنعان اعتراضاً على عدم الاستماع إلى وزير الدفاع، ففقدت الجلسة نصابها قبل التصويت على العفو.
أزمة سياسية أبعد من منسّى وسلام
الخلاف الظاهر دار حول من يحق له الكلام، لكن جوهر الأزمة أعمق. فموقف قيادة الجيش رأي أمني وتقني يفترض الاستماع إليه، بينما يبقى تحديد موقف السلطة التنفيذية من اختصاص الحكومة مجتمعة. وكان يمكن الفصل بين الأمرين من خلال عرض وزير الدفاع ملاحظات المؤسسة العسكرية، ثم إعلان رئيس الحكومة الموقف السياسي الرسمي.
عدم اعتماد هذا المخرج البسيط أعطى الانطباع بوجود محاولة لحجب رأي الجيش، حتى لو كان سلام يؤكد أن الملاحظات الخطية قُدمت سابقاً. كما كشف أن الحكومة لا تزال تعاني صعوبة في إدارة التباينات الداخلية من دون أن تتحول إلى مواجهات علنية.
أما قانون العفو نفسه، فلم يعد مجرد معالجة لاكتظاظ السجون وتأخر المحاكمات. فقد أصبح عقدة تتداخل فيها حقوق الموقوفين الذين لم تصدر أحكام بحقهم، وحقوق ضحايا الجرائم، وموقف الجيش، والاستثناءات الطائفية والسياسية، والخشية من استفادة متورطين في جرائم خطرة.
سجالات تطيح هيبة المؤسسة التشريعية
ترافق كل ذلك مع سجالات بين سامي الجميّل وحسين الحاج حسن على خلفية انتقاد أداء الحكومة واتفاق الإطار، وبين بولا يعقوبيان وسليم عون، إضافة إلى اعتراضات بين النواب ورئاسة المجلس.
هذه المشاهد ألحقت ضرراً بصورة المجلس، لأن الرأي العام شاهد الشتائم والانسحابات أكثر مما تابع مضمون القوانين. كما أن فقدان النصاب عند أول عقدة سياسية أعاد تأكيد أن التشريع في لبنان ما زال خاضعاً لتوازنات الكتل والصفقات المسبقة، وأن القوانين الكبرى يصعب إقرارها داخل الهيئة العامة إذا لم تُحسم سياسياً قبل الدخول إلى القاعة.
ماذا ينتظر جلسة اليوم؟
استئناف الجلسة عند الساعة الحادية عشرة يشكل اختباراً على ثلاثة مستويات: قدرة الرئيس نبيه بري على إعادة جمع الكتل وتأمين النصاب، إمكان إيجاد تسوية تسمح بسماع موقف وزير الدفاع من دون ضرب التضامن الحكومي، والتوصل إلى صيغة للعفو تمنع الإفلات من العقاب وتحمي في الوقت نفسه حقوق الموقوفين الذين طالت محاكماتهم.
لكن حتى لو أُقر العفو اليوم، فإن تداعيات جلسة الأمس لن تنتهي. فالمواجهة مع الجسم الإعلامي بدأت، والخلاف داخل الحكومة خرج إلى العلن، وإلغاء عقوبة الإعدام يحتاج إلى استكمال مساره الدستوري والتطبيقي، فيما باتت الثقة بين الكتل أضعف مما كانت عليه قبل الجلسة.
الخلاصة أن مجلس النواب حقق إنجازاً حقوقياً تاريخياً، لكنه أحاطه بأزمة إعلامية وحكومية ونيابية كبيرة. وما ستفعله الكتل اليوم سيحدد ما إذا كانت جلسة 11 آب ستُسجل بوصفها محطة إصلاح تشريعي، أم مثالاً جديداً على قدرة الخلافات السياسية على تبديد أي إنجاز وطني.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :