اليمين يكشّر عن أنيابه: «حرب إعلامية» على عبد الرحمن السيد

اليمين يكشّر عن أنيابه: «حرب إعلامية» على عبد الرحمن السيد

منذ إعلان ترشّحه لمجلس الشيوخ الأميركي، وجد عبد الرحمن السيّد نفسه في قلب حرب إعلامية يقودها اليمين وترامب شخصياً.

 

 

 

 

منذ إعلان ترشّحه لمجلس الشيوخ الأميركي، وجد عبد الرحمن السيّد نفسه في قلب حرب إعلامية يقودها اليمين وترامب شخصياً. حملة تمزج بين المكارثية والإسلاموفوبيا، وتستحضر أصوله المصرية ودينه ومواقفه من إسرائيل، في محاولة لتحويل السباق الانتخابي في ميشيغان إلى معركة حول الهوية والولاء والانتماء إلى أميركا

علي سرور
 
منذ الإعلان عن ترشحه لمجلس الشيوخ الأميركي فجر الأربعاء الماضي، انطلقت حملة شرسة ترقى إلى مستوى الحرب الإعلامية ضدّ المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيّد. في إطار هذه المواجهة، جنّد الحزب الجمهوري جلّ منابره الإعلامية لتصوير الخطر القادم من الشاب الأميركي بوصفه تهديداً لأسس النظام الذي تقوم عليه البلاد. وبينما تتخبّط الإدارة الأميركية في مواجهة سيلٍ من الأزمات السياسية الداخلية والخارجية، في مقدّمتها تبعات العدوان على إيران، وجد الرئيس دونالد ترامب في قيادة المعركة الإعلامية ضدّ السيّد أولوية قصوى تتقدّم على سواها.
 
دخل ترامب إلى حلبة تبادل التغريدات بتكرار يومي للتهمة نفسها: «عبد السيّد يكره إسرائيل». غير أنّ الرئيس الجمهوري غاب عن باله التبدّل الحادّ في الرأي العام الأميركي في الحزبين حيال النظرة تجاه إسرائيل، ممّا حوّل «قراره الظنيّ» إلى شهادة حسن سلوك تُؤكّد عدم انصياع المرشّح الديمقراطي لللوبيات الصهيونية الذائعة الصيت مثل «إيباك».
 
وبعد تبيّن فشل الحملة الترامبية في حلّتها الأولى، انتقل ترامب إلى «الخطة ب»، مستحضراً «العنصرية» إلى الخطاب السياسي عبر التركيز على أصول السيّد المصرية وخلفيّته الدينية، واستهداف زوجته «المُحجبة». لاقت الخطوة استهجاناً وإدانةً واسعين في الشارع الأميركي، غير أنّها كشفت عن حالة استنفار قصوى يعيشها اليمين في الولايات المتحدة على وقع إمكانية وصول عبد الرحمن السيّد إلى مجلس الشيوخ الأميركي، بما يحمله من رؤى إصلاحية وطروحات جريئة لتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى جانب مواقف سياسية حادّة تجاه الاحتلال الإسرائيلي.
 
تكنوقراطية صحية من الطب إلى السياسة
وُلد عبد الرحمن محمد السيّد عام 1984 في ضاحية «روتشستر هيلز» في مقاطعة أوكلاند في ولاية ميشيغان، لأبوين مهاجرين من مصر، وهو ما يجعله مؤهّلاً، من الناحية الدستورية، للترشّح لمنصب رئاسة الولايات المتحدة مستقبلاً. ونال شهادة البكالوريوس في علم الأحياء والعلوم السياسية من جامعة ميشيغان عام 2007، واختير لإلقاء كلمة التخرج كأحد أبرز طلاب دفعته. كما تابع تحصيله الأكاديمي بنيله منحة «رودس» المرموقة للالتحاق بجامعة أكسفورد.
 
تُجسّد مسيرته المهنية نموذجاً للمزج بين التخصص الأكاديمي والعمل التنفيذي الميداني في أجهزة الدولة. في عام 2015، عُيّن مديراً لإدارة الصحة في مدينة ديترويت في سن الثلاثين، ليصبح أصغر مسؤول صحي في تاريخ المدن الأميركية الكبرى. وبعد توليه إعادة بناء القطاع الصحي في المدينة في أحلك الظروف عقب إعلانها عن أكبر إفلاس في التاريخ الأميركي، عُيّن في أواخر عام 2022، مديراً لإدارة الصحة العامة والخدمات الإنسانية في مقاطعة «وين»، وهي أكبر مقاطعات ميشيغان وأكثرها تنوعاً، حيث أدار برامج خدماتية شملت إلغاء ديون طبية بقيمة 700 مليون دولار لصالح نحو 300 ألف مواطن.
 
في موازاة نجاحه في إدارة الملفّات الشائكة، دخل السيّد المعترك السياسي الانتخابي المباشر في عام 2018، حين خاض انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لمنصب حاكم ميشيغان، وحل ثانياً خلف الحاكمة الحالية غريتشن ويتمر. أمّا في الأشهر الماضي في خضمّ السباق الناري، فقد خاض عبد الرحمن السيّد معركة الترشّح عن الحزب الديمقراطي من دون استناد إلى دعم من المؤسسات السياسية التقليدية، وفي مواجهة أموال مجموعات الضغط ولجان العمل السياسي واللوبيات الداعمة لمنافسته هالي ستيفنز، والتي تخطّت 40 مليون دولار أميركي.
 
تشريح السردية اليمينية وتكتيكاتها
تكشف مقارنة السباقين الانتخابيين اللذين خاضهما عبد الرحمن السيّد عن تحوّل جوهري في بنية الهجوم اليميني واستراتيجيات التعبئة ضدّ الشخصيات التقدمية ذات الخلفيات المهاجرة، إذ انتقل الاستهداف من حملات محلية تقودها الأطر المحافظة إلى استراتيجية وطنية يتصدّرها دونالد ترامب.
 
في انتخابات حاكمية ولاية ميشيغان عام 2018، واجه السيد منافسة داخلية في الحزب الديمقراطي ضد غريتشن ويتمر، الممثلة للتيار التقليدي. وكان الهجوم اليميني في تلك المرحلة مسكوناً باتهامات تروّجها أطراف محلية محافظة، أبرزهم سيناتور الولاية، باتريك كولبيك. ارتكزت الحملة آنذاك على إطلاق ادعاءات تزعم وجود ارتباطات بين عائلة السيد وجماعة «الإخوان المسلمين»، مع الترويج لما أسموه خطورة «الجهاد الحضاري».
 
أما في انتخابات الترشّح لمجلس الشيوخ الأمريكي لعام 2026، فقد تغيرت الديناميات الحزبية والوطنية بشكل جذري، إذ واجه السيّد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، المرشحة هالي ستيفنز المدعومة بكثافة من لجان العمل السياسي مثل اللوبي الإسرائيلي «إيباك ». وبعد تخطّيه المرحلة الأولى من المعركة الانتخابية بنجاح مدوٍّ، دخل السيّد مرحلة المواجهة مع المرشّح الجمهوري مايك روجرز، الذي يحظى بدعم مباشر من دونالد ترامب. لذلك لم يعد الهجوم على السيّد محصوراً عبر شخصيات محلية، وتحوّلت قيادة إدارة الماكينة اليمينية إلى الرئيس الأميركي بنفسه، الذي لم يدّخر جهداً خلال الأسبوع الماضي إلّا وبذله في إطار استهداف الخطر الديمقراطي الصاعد من الولاية الشمالية.
 
«أميركتان مختلفتان تماماً»
أطلق دونالد ترامب، خلال الأيام الماضية، حرب المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، مُصنّفاً السيّد بـ «الشيوعي الكاره لإسرائيل». وبما أنّ الكلمات لا تعني الكثير في قاموس الرئيس الأميركي، واظب ترامب على إغراق المتابعين ببحر من المصطلحات «القوية». تارةً يصف المرشح الديمقراطي بـ «الاشتراكي»، وطوراً يقول عنه «رجل نبيل لطيف ومليء بالكراهية». لكن في المجمل، تركّز الهجوم الترامبي على نقطة العداء لـ «إسرائيل»، حيث اجتمعت معظم منشوراته على سيل الاتهامات المرتبطة بهذه الزاوية، حتّى وصل به الأمر إلى الادّعاء بأنّ السيّد «يبغض إسرائيل بشغف يشتعل في قلبه ».
 
لكن في عطلة نهاية الأسبوع، تجلّت ذروة الهجوم الجمهوري في المنشور الذي شاركه ترامب عبر منصّته «تروث سوشال » قائلاً: «أميركتان مختلفتان تماماً». وتضمّن المنشور صورة مُركّبة تجمع ترامب وزوجته ميلانيا ترامب بزيّ رسمي في إحدى مناسبات التنصيب، إلى جوار صورة أخرى لعبد الرحمن السيّد وزوجته سارة جوكاكو بزيّها الإسلامي، أثناء جلوسهما بطريقة «بسيطة» في مطعم عادي.
أثار المنشور حالة عارمة من الغضب والجدل، ولاحقت ترامب اتهمات بالإسلاموفوبيا والتحامل على الإسلام.
من جهة أخرى، تتركّز الحملة اليمينية على التجييش الثقافي والتحريض العرقي، عبر الإبراز المتعمّد لحجاب سارة جوكاكو في محاولة لدغدغة مخاوف القاعدة الانتخابية المحافظة من التغيّر الديموغرافي والثقافي في البلاد. كما تسعى الاستراتيجية الترامبية إلى إعادة إنتاج الخطاب المشكّك في الولاء عبر التركيز الصوتي على الاسم الأوسط، إذ يعمد ترامب والجمهوريون بانتظام إلى استخدام الاسم الكامل للمرشّح عبد الرحمن محمد السيّد، مع التشديد على اسم «محمد». وتُشبه هذه الاستراتيجية الإعلامية تلك التي حُشدت سابقاً ضدّ الرئيس الأسبق باراك أوباما عبر التركيز الصوتي على اسمه الأوسط «حسين»، بهدف نشر الانطباع بأنّ المُرشح «دخيل» على المجتمع الأميركي.
 
يأتي منشور ترامب ضمن الاستراتيجية الإعلامية الهجومية المتكاملة القائمة على المزج الإيديولوجي بين المكارثية والإسلاموفوبيا. ويرمي هذا الربط إلى تحييد المؤهلات العلمية والأكاديمية المرموقة التي يتمتّع بها السيّد، وحصر «بروفايله» السياسي في قالب الخطر الخارجي المزدوج الذي يُهدّد الملكيّة الخاصة والأمن القومي في آنٍ معاً. إضافة إلى ذلك، يستغلّ ترامب مواقف المرشّح الديمقراطي المناهضة لحرب الإبادة على قطاع غزة ومطالبته فرض حظر على إمدادات السلاح لـ «إسرائيل» لتوجيه اتهامات إلى السيّد بالراديكالية ومعاداة السامية.
 
ترامب «مُحقّ»
على المقلب الآخر، لم يلجأ عبد السيّد، كما يُشار إليه باللغة العامية في الشارع الأميركي، إلى اتخاذ موقف الدفاع التقليدي أو التملّص من خلفيته الدينية والاجتماعية. عوضاً عن ذلك، اختار المبادرة إلى تبنّي عبارة ترامب ذاتها وتفكيكها ليُعيد شحنها بدلالات سياسية واقتصادية منحازة إلى الطبقات العاملة.
 
أبدى السيّد توافقاً مع منشور ترامب معتبراً أنّه «محقّ تماماً». غير أنّه حوّل معايير المقارنة من الدين والزي إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة بسبب توجهات الإدارة الأميركية داخلياً وخارجياً. وعرّف رؤية ترامب باعتبارها أميركا النخب وأرباب العمل الأثرياء الذين يراكمون أموالهم عبر استغلال المواطنين، بينما يعيش الشعب تحت وطأة الغلاء المعيشي وارتفاع أسعار السلع والمحروقات. في المقابل، قدّم السيّد رؤيته الأميركية التي تتمحور حول العائلات البسيطة التي تسعى إلى توفير بيئة آمنة لأطفالها، وحصول الجميع على رعاية صحية، وهواء نقي، ومياه شرب خالية من التلوث.
 
وفي جوابه على إقحام ترامب لسارة جوكاكو في الحملة الهجومية، قال عبد الرحمن السيّد: «أنا وسارة نحبّ بعضنا، لكنّني لا أعرف إذا كان الأمر ذاته ينطبق في حالة السيدة الأولى والرئيس، بحسب ما سمعت، فإنّ علاقتهما تمرّ ببعض الصعوبات ».
 
أتاح هذا القَلب السردي للمرشح التقدمي تجريد الخطاب اليميني من فاعليته التحريضية، إذ جرى تحويل المعركة من استقطاب حول الحجاب والدين إلى مواجهة بين مصالح غالبية الأميركيين ومصالح الطبقة الأوليغارشية الداعمة لترامب. أمّا في ملف الاتهامات بمعاداة السامية، فقد وضع السيّد فاصلاً واضحاً بين الاحترام الكامل للديانة اليهودية وأتباعها، وبين رفض السياسات العسكرية والمجموعات المموّلة التي تنفق عشرات الملايين لتوجيه القرار السياسي الأميركي لصالح حكومات أجنبية، في إشارة إلى النفوذ الإسرائيلي على الإدارة الأميركية الحالية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي