كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
حين تقول وزارة الأشغال إن مشاريعها تُحدَّد وفق خريطة علمية تستند إلى حجم الضرر وحاجة الطرق، ثم تتحرك ماكينة سياسية لدعوة البلديات إلى زيارة نواب بعينهم ورفع الطلبات إليهم، يصبح السؤال مشروعًا: هل تُنفذ الوزارة خطة وطنية، أم تُستخدم هذه الخطة لصناعة رصيد انتخابي للفريق الذي أتى بالوزير؟
منذ تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، عُدّ وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني من حصة الحزب التقدمي الاشتراكي. وهذا الانتماء السياسي غير كافٍ وحده للحكم على أدائه، لكن ما حصل لاحقًا جعل العلاقة بين الوزارة و«اللقاء الديمقراطي» موضع تدقيق، بعدما برز النائبان وائل أبو فاعور وهادي أبو الحسن في واجهة عدد كبير من مشاريع الوزارة.
في المتن الأعلى، زار أبو الحسن الوزير رسامني، ثم أعلن اقتراب بدء أعمال صيانة وتأهيل الطرق في معظم قرى المنطقة. وتبع ذلك جولة للوزير «تلبية لدعوة» أبو الحسن، بمشاركة مسؤولين بلديين وحزبيين من التقدمي الاشتراكي، للاطلاع على مشاريع تمولها الدولة وتنفذها الوزارة.
وفي البقاع الغربي وراشيا، تكرر المشهد نفسه. جال رسامني في المنطقة بدعوة من أبو فاعور، قبل أن يتولى الأخير الإعلان عن مواعيد انطلاق مشاريع الوزارة، ومنها تأهيل طريق ضهر البيدر وإنارته واستكمال الأوتوستراد العربي، إضافة إلى الحديث عن إحالة طلبات البلديات إلى دائرة المناقصات.
وليس الاعتراض على متابعة النائب لشؤون منطقته، فهذا من صلب مسؤولياته. الاعتراض يبدأ عندما يصبح النائب بوابة إلزامية أو شبه إلزامية بين البلدية والوزارة، وعندما يُقدَّم المشروع الممول من أموال اللبنانيين كأنه نتيجة وساطة سياسية أو خدمة شخصية من نائب إلى ناخبيه.
وتشير معطيات متداولة بين أوساط بلدية إلى أن ماكينات تابعة لـ«اللقاء الديمقراطي» شجعت بلديات على مراجعة هادي أبو الحسن للمطالبة بتزفيت طرقاتها، فيما كانت الوزارة قد وضعت عددًا من هذه الطرق أصلًا ضمن خريطة أولوياتها. وإذا ثبت ذلك، فنحن أمام عملية تجيير سياسية مكتملة الأركان: تعرف الماكينة مسبقًا ما قررته الوزارة، تستقبل مطالب البلديات، تعدها بالمتابعة، ثم تعلن المشروع عند تنفيذه وكأنه تحقق بفضل النائب.
بهذه الطريقة لا يحتاج التجيير إلى تغيير الخريطة أو اختراع مشروع جديد. يكفي وضع يد سياسية على المشروع المقرر أصلًا، وتسويقه باعتباره ثمرة نفوذ ووساطة، ليتحول حق المواطن إلى منّة، والطريق العام إلى بطاقة ولاء انتخابية.
حتى البيانات المدافعة عن رسامني لم تستطع إخفاء هذا المشهد. فرئيس بلدية المرج، في معرض رده على النائب حسن مراد، أكد أن المشاريع تأتي عبر طلبات البلديات، مباشرة أو بواسطة أي نائب، لكنه ختم بتوجيه الشكر إلى الوزير ووائل أبو فاعور معًا. وهنا تكمن المفارقة: مشروع تنفذه الدولة يتحول في الخطاب المحلي إلى إنجاز يُسجل للوزير وللنائب صاحب النفوذ السياسي.
أما أبو الحسن، فقد أعلن أن «الإنجازات حق للناس وواجب علينا كمسؤولين من دون منّة». وهو موقف صحيح من حيث المبدأ، لكنه يطرح السؤال نفسه: إذا كانت المشاريع حقًا للناس وليست منّة، فلماذا تحتاج البلديات إلى المرور بمكاتب النواب؟ ولماذا لا تتواصل مباشرة مع الوزارة ضمن آلية معلنة وموحدة تشمل جميع المناطق؟
هذا هو جوهر الهجوم الذي شنه النائب حسن مراد على رسامني. فمراد لم يعترض فقط على كمية من الزفت، بل اتهم الوزارة ضمنًا بإخضاع المشاريع للحسابات السياسية والانتخابية، عندما تحدث عن أربع مناطق نالت «حصة الأسد»، وطالب الوزير بأن يعامل كل بلدة كما لو كان حزبه موجودًا فيها، وأن يفتح أبواب الوزارة أمام جميع البلديات.
اتهامات مراد لم تُدعّم حتى الآن بجدول رسمي يثبت أن مناطق نفوذ «اللقاء الديمقراطي» حصلت فعليًا على مبالغ أو كيلومترات تفوق استحقاقها. لكن الوزارة نفسها لم تنشر ما يكفي لدحضها. فلا توجد أمام الرأي العام قاعدة بيانات موحدة تعرض أسماء الطرق، ودرجة الضرر، وقيمة كل عقد، وهوية المتعهد، وعدد الكيلومترات ونسب الإنجاز موزعة على الأقضية.
وهذا الغموض هو الذي يسمح للسياسة بالدخول من تحت أبواب الوزارة. فعندما تغيب الأرقام، يصبح كل نائب قادرًا على ادعاء الإنجاز، وكل خصم قادرًا على اتهام الوزير بالمحاباة، ويبقى المواطن عاجزًا عن معرفة الحقيقة.
ولا تقتصر الاعتراضات على البقاع. فقد برزت شكاوى من عكار حول تدهور الطرق وعدم إدراج طريق العبدة – وادي خالد ضمن الأولويات المعلنة. كما طرحت علامات استفهام حول التأخر في عدد من المشاريع والجسور، في وقت تظهر فيه جولات الوزير ونواب «اللقاء الديمقراطي» بكثافة في مناطق نفوذهم.
أما ملف مناقصة سيارات مرفأ بيروت التي تقدمت إليها شركة «ريمكو» المرتبطة برسامني، فيكشف بدوره مشكلة أوسع في إدارة الحدود بين الموقع العام والمصلحة الخاصة. صحيح أن هيئة الشراء العام نُقل عنها أن مشاركة الشركة كانت قانونية وأن الوزير لا يملك سلطة مباشرة على قرار المناقصة، لكن مجرد دخول شركة مرتبطة بالوزير إلى عقد مع مرفق يقع ضمن نطاق وزارته كان كافيًا لإثارة شبهة تضارب المصالح. وانسحاب الشركة بعد تصاعد الجدل لم يُجب عن سؤال التنحي والإفصاح ومن اتخذ قرار المشاركة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن عهد رسامني شهد خطوات مؤسسية، بينها تعيين الهيئة الناظمة للطيران المدني، وإطلاق خطة طرق متعددة السنوات، والعمل على مطار القليعات والنقل المشترك. كما تعاني الوزارة نقصًا قاسيًا في الأموال والموظفين، إذ نالت اعتمادات أقل بكثير من حاجاتها المعلنة، فيما يتجاوز الشغور في ملاكها 80 في المئة.
لكن الإنجازات والقيود المالية لا تلغيان المساءلة. فالوزير الذي يقول إن خطته علمية ومتوازنة مطالب بنشر الأرقام التي تثبت ذلك، لا الاكتفاء بتصريحات النواب والزيارات الميدانية. وإذا كانت الوزارة فعلًا على مسافة واحدة من الجميع، فلتنشر خريطة مشاريعها كاملة، ولتوضح كيف اختيرت كل طريق، ولماذا تقدمت منطقة وتأخرت أخرى.
القضية ليست أن يتابع وائل أبو فاعور أو هادي أبو الحسن مطالب الناس، بل أن يتحول التواصل السياسي إلى ممر للخدمة العامة، وأن تُقطف مشاريع الوزارة كثمار انتخابية لفريق الوزير، فيما تبحث بلديات أخرى عن باب تدخل منه أو وسيط يحمل ملفاتها.
وإلى أن تنشر وزارة الأشغال خريطة الاعتمادات والكيلومترات والمشاريع لكل قضاء، سيبقى السؤال معلقًا فوق كل طبقة زفت جديدة:
هل تُعبّد رسامني طرق لبنان وفق الحاجة، أم تُعبّد الوزارة طريق «اللقاء الديمقراطي» إلى الانتخابات؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :