المضائق الثلاثة تحترق: حين تتحول الجغرافيا إلى رهينة

المضائق الثلاثة تحترق: حين تتحول الجغرافيا إلى رهينة

 

 

 

 

خاص ايكون نيوز 

ليليان عبد الخالق - باحثة في العلوم السياسية 

 

ثلاثة مضائق، ثلاث قارات، وقرار واحد لم يُتخذ بعد في مكتب بيضاوي على بعد آلاف الأميال. هذا هو حجم السخرية التي يعيشها العالم اليوم: مصير هرمز وباب المندب وجبل طارق، ومعه اقتصاد كوكب بأكمله، معلّق بانتظار مزاج رجل واحد يتردد بين "المسار الدبلوماسي" و"الخيار العسكري" وكأنهما قائمة طعام لا قرار حرب.

 

هرمز، ذلك الشريط المائي الذي لا يتجاوز عرضه تسعة وثلاثين كيلومتراً، يحمل على كتفيه خُمس نفط العالم يومياً. مضيق بهذا الحجم الجغرافي الهزيل، وبهذا الثقل الاقتصادي الهائل، لم يكن يوماً مجرد ممر ملاحي؛ إنه صمام ضغط تتحكم فيه إيران من شماله وعُمان من جنوبه، وتتحكم فيه، من بعيد، حسابات لا علاقة لها بالملاحة إطلاقاً. حين تُهدد طهران بإغلاقه، فهي لا تُهدد بقطع خط بحري، بل تُذكّر العالم بأن جغرافيتها قادرة على خنق اقتصادات لا تُحصى، وهذا بالضبط ما يجعله ساحة ابتزاز متبادل لا مجرد بؤرة توتر عابرة.

 

وفي الجنوب، عند باب المندب، تكتب جماعة الحوثي فصلاً مختلفاً من القصة ذاتها: كيف تتحول جماعة محلية محدودة الإمكانات إلى فاعل قادر على إرباك الملاحة العالمية بضربة صاروخية هنا وزورق مفخخ هناك؟ الجواب ليس في قوة الحوثيين بقدر ما هو في هشاشة النظام البحري العالمي نفسه، الذي بُني على افتراض ساذج بأن الممرات ستبقى مفتوحة إلى الأبد لأن التجارة "تخدم الجميع". لكن من قال إن كل الأطراف تريد أن تكون جزءاً من هذا "الجميع"؟ حين يصبح الحصار على غزة وقوداً لحرب بحرية موازية، تكتشف السفن التجارية أن حيادها لم يعد كافياً لحمايتها.

 

أما جبل طارق، البعيد جغرافياً عن نار الشرق الأوسط، فحضوره في هذه المعادلة تذكير قاسٍ بأن لا مضيق يبقى بمنأى حين تشتعل الجغرافيا السياسية. ممر يربط الأطلسي بالمتوسط، تمر عبره تجارة أوروبا مع آسيا وأفريقيا، يجد نفسه اليوم مدرجاً على قائمة "نقاط الاختناق المحتملة"، لا لأن أحداً يستهدفه مباشرة، بل لأن منطق التصعيد المتزامن لا يعترف بالحدود الجغرافية حين يقرر الانتشار.

 

والمفارقة الكبرى أن اشتعال هذه المضائق الثلاثة في وقت واحد لا يُقرأ اليوم كصدفة، بل كجزء من مسرحية أكبر تُدار فصولها من تل أبيب وواشنطن بقدر ما تُدار من طهران وصنعاء. فبحسب ما كشفته القناة الإسرائيلية الثانية عشرة نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، باتت التقديرات في تل أبيب تشير إلى أن ترامب أقرب من أي وقت مضى لاتخاذ قرار توجيه ضربة واسعة لإيران، فيما رفعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مستوى تأهبها استعداداً لسيناريوهين: إما مبادرة إيرانية استباقية، أو حصول إسرائيل على "ضوء أخضر" أميركي للمشاركة في أي عملية عسكرية. هذه ليست تفاصيل عسكرية جافة، بل اعتراف ضمني بأن قرار الحرب أو السلم في هذه المنطقة لم يعد قراراً سيادياً لأي دولة إقليمية، بل صار رهينة لتقدير أمني إسرائيلي وموافقة أميركية متأرجحة.

 

وحين تُعلن إدارة ترامب أنها "تفضل الدبلوماسية" بينما تُبقي الخيار العسكري "على الطاولة"، فهي لا تصف سياسة متوازنة، بل تصف أسلوباً كلاسيكياً في إدارة الأزمات: إبقاء العالم في حالة ترقب دائم، بحيث يصبح التهديد بالحرب أداة ضغط لا تقل فعالية عن الحرب نفسها. وحين ترد طهران بتحذيرات من "رد واسع يطال القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن"، فإنها تمارس اللعبة ذاتها من الجهة المقابلة: كلاهما يعرف أن التصعيد الكامل مكلف لكليهما، لكن كليهما يحتاج الظهور بمظهر المستعد له لضمان بقاء الردع قائماً.

 

المشكلة أن الجغرافيا لا تتحمل هذا الرهان الطويل. فكل يوم تمر فيه الناقلات النفطية بحذر عبر هرمز، وكل سفينة تغيّر مسارها هرباً من باب المندب لتُطيل رحلتها أسابيع كاملة عبر رأس الرجاء الصالح، هو يوم يُدفع ثمنه من جيوب مستهلكين لا علاقة لهم بحسابات الردع في تل أبيب أو طهران أو واشنطن. الحرب الاقتصادية جارية فعلياً، بصمت، قبل أن تُطلق أي رصاصة.

 

والسيناريوهات المطروحة اليوم من تصعيد محدود يحافظ على "توازن الرعب"، إلى مواجهة شاملة تُغلق أحد المضائق كلياً، إلى تفاوض يجري تحت ضغط النار كلها تشترك في افتراض واحد لم يجرؤ أحد على مساءلته علناً: أن مصير ثلاثة ممرات مائية تُبنى عليها اقتصادات قارات بأكملها، يمكن أن يُحسم بقرار فردي في غرفة عمليات، لا بمفاوضات إقليمية جماعية تشارك فيها الدول التي تدفع الثمن الأول لأي إغلاق أو اشتعال.

 

في النهاية، لا هرمز ولا باب المندب ولا جبل طارق هي المشكلة الحقيقية. المشكلة أن العالم اعتاد أن يترك مصير ممراته الحيوية بيد من يملك القدرة على التهديد بإغلاقها، لا بيد من يعيش على ضفافها ويدفع ثمن اشتعالها كل يوم. وحين يُقرَّر، إن قُرِّر شنّ تلك الضربة "الواسعة" التي تترقبها تل أبيب، فلن يكون السؤال فقط: من سيربح الحرب؟ بل: كم مضيقاً آخر سيُضاف إلى قائمة الاحتراق قبل أن يتذكر أحد أن هذه المياه ليست ساحة اختبار، بل شريان حياة لملايين لا صوت لهم في القرار.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي