أوكرانيا تشتعل داخليا وترمب يرجئ قراره لما بعد سؤال بوتين

أوكرانيا تشتعل داخليا وترمب يرجئ قراره لما بعد سؤال بوتين

 

 

 

 

ذكرت مجلة "بوليتيكو" الأميركية أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي وكأنما "وقع في غرام "أميركا العظمى"، وإن لم يكن من المؤكد أن أميركا تبادله هذا الشعور. وها هو يشد الرحال إلى الولايات المتحدة للمشاركة في مراسم وداع السناتور ليندسي غراهام، أحد الجمهوريين القلائل الذين دفعوا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نحو التقارب مع كييف.

 
ولمن يعرف كما يقال "عن أقل القليل" من السيرة الذاتية للرئيس الأوكراني زيلينسكي، منذ تأسيسه لفرقته المسرحية الكوميدية "كفارتال 54"، ولا نقول منذ مولده عن أبوين يهوديين، يمكن أن يكون مدركاً لأن مثل هذه الشخصية لا يمكنها أن تخطو خطوة واحدة من دون يقين من جانبها لما يمكن تحقيقه من مكاسب شخصية. ولعل ذلك تحديداً ما يمكن أن يكون وراء رحلته التي بدأها بلقائه مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد إندي بيرنهام، ومنه إلى الولايات المتحدة بوصفها خطوة في سلسلة محاولاته الرامية إلى "كسب تأييد الجمهوريين المتشككين في أوكرانيا" من معسكر "أميركا العظمى"، الذي كثيراً ما عرقل محاولاته لتأمين الدعم الأميركي في الصراع مع روسيا.
 
تكتيك زيلينسكي
من اللافت في هذا الصدد أن زيلينسكي يعود لما سبق وانتهجه من "تكتيك"، ثمة من يقول إنه أسهم في تصحيح ما ارتكبه من أخطاء في أول زيارة له لـ"البيت الأبيض" في مستهل ولاية الرئيس ترمب، انتهت بطرده قبل أن تبدأ، وهو ما سبق وأشارت إليه "اندبندنت عربية" في حينه. وها هو يبدأ زيارته لواشنطن اعتماداً على ما حققه من "مكاسب كلامية" خلال لقائه مع الرئيس الأميركي في أنقره على هامش اجتماعات قمة رؤساء بلدان حلف "الناتو" في مطلع يوليو (تموز) الجاري، فضلاً عما قاله نائب الرئيس الأميركي جيه. دي. فانس، في شأن إشادته بالاستراتيجية الدفاعية الأوكرانية، وتصريحاته التي أشار فيها إلى أن "تحركات كييف في ساحات القتال تسهم في صياغة شروط السلام". 
 
وثمة من يقول إن زيلينسكي سيحاول مع الرئيس الأميركي بحث مواضيع "العقوبات التي يبحثها الكونغرس بموجب "مشروع ليندسي غراهام" الذي تقدم به قبل رحيله، وصفقة الطائرات المسيرة، ومنظومات "باتريوت" للدفاع الصاروخي، ومفاوضات السلام". استناداً إلى ما تروجه أوكرانيا من "مزاعم" حول "أنها قادرة على تحقيق النصر" بما تقوم به من هجمات جوية بطائرات مسيرة على الدفاعات الروسية، في محاولة لإجبار موسكو على الانسحاب من أراضيها، على حد قول المصادر الأوكرانية.
 
بعد سؤال بوتين
على وقع اتساع الحملات الإعلامية الغربية المعارضة لروسيا وزعيمها فلاديمير بوتين، وما يقابلها من تأييد واسع النطاق للرئيس الاوكراني، يبدأ زيلينسكي زيارته للولايات المتحدة لمناقشة الجهود الدبلوماسية المتجددة من أجل السلام في أوكرانيا مع ممثلي الرئيس الأميركي. وقد وصف الممثل الأميركي الخاص للمفاوضات الأوكرانية خلال ولاية ترمب الأولى كورت فولكر تصريح الرئيس الأميركي خلال قمة "الناتو" في أنقرة مطلع الشهر الجاري، الذي أكد فيه وجود "علاقة جيدة" مع زيلينسكي، بأنه "إشارة من أميركا العظمى بأنه لا بأس من دعم أوكرانيا".
 
ولعل من الطريف في هذا الصدد أن نشير إلى أن فولكر يشغل حالياً منصب مستشار لشركة الطاقة الأوكرانية، في الوقت الذي نشير فيه أيضاً إلى قادة "الناتو" في أنقرة وما أعربوا عنه من توقعات متشائمة سابقة في شأن مسار الصراع، وتشكيكهم في إدارة ترمب، بحسب المصادر الغربية التي نقلت عن وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمور ستينرغارد، قولها إنها "سمعت نبرة مختلفة تماماً، يجب علينا زيادة دعمنا، لأن أوكرانيا لديها الآن فرصة لتغيير مسار الأمور، وإجبار روسيا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية".
وتتمثل أولويات أوكرانيا حيال قضية العقوبات في إقناع الكونغرس بإقرار التشريع الذي طال انتظاره، الذي رعاه غراهام وكانت روسيا تدرجه ضمن قائمة العقوبات. وينص مشروع القانون، الذي سمي رسمياً باسمه، على فرض عقوبات على موسكو وحلفائها، ورسوم جمركية على كبار مشتري الطاقة الروسية، وقد حظي بدعم "البيت الأبيض" قبيل وفاة غراهام في وقت سابق من يوليو (تموز) الجاري.
 
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد خلص في حديثه مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي في أنقرة، إلى أنه سيرجئ قراره النهائي حول ما يمكن أن يقدمه من دعم لأوكرانيا إلى ما بعد اتصاله بالرئيس بوتين. في الوقت الذي كشف وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف عن تبدد ما كان يتعلق بما أطلقت عليه روسيا "روح إنكوراج"، في إشارة إلى اللقاء السابق الذي جرى بين الرئيسين الأميركي ونظيره الروسي في عاصمة آلاسكا. وكان ذلك يتعلق بتصورات ما يمكن أن تصل إليه موسكو في رؤيتها للسلام المنشود مع الجانب الأوكراني، وإمكان التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها في "جمهوريتي" دونيتسك ولوغانسك جنوب شرقي أوكرانيا.
 
اشتعال الصراعات الداخلية
وفي وقت كانت المصادر الأوكرانية والغربية تروج على نطاق واسع لما تسميه "نجاح" المسيرات الأوكرانية في إشعال النيران بخزانات الطاقة، وتدمير مصافي النفط الموجودة على مسافات بعيدة من الحدود الأوكرانية، كانت القوات الروسية تعمل على تدمير السفن التي تحمل كثيراً من الدعم الغربي ومنه السفن التي تحمل المعدات العسكرية الواردة إلى أوكرانيا في أوديسا وغيرها من الموانئ الأوكرانية على شواطئ البحر الأسود. وذلك في توقيت مواكب لاندلاع الاضطرابات والمظاهرات التي اجتاحت كييف وكثير من كبريات المدن الأوكرانية، ومن اللافت أن هذه المظاهرات شملت أيضاً مدينة لفيف معقل "القوميين المتطرفين"، وثاني أكبر المدن الأوكرانية الوقعة في غرب أوكرانيا.
 
أما عن الأسباب فقد تراوحت بين تأييد ميخائيل فيدوروف في موقفه المعارض لإقالته من منصبه كوزير للدفاع، والاحتجاج ضد أساليب استخدام القوة واختطاف الشباب والرجال ممن تتراوح أعمارهم من الـ18 حتى الـ65 من العمر، واقتيادهم عنوة إلى مراكز التجنيد الإلزامي لأسباب تتعلق بنقص الأفراد، وتزايد أعداد الفارين من القوات الأوكرانية على خطوط التماس مع القوات الروسية. في وقت يتراجع تعداد السكان في أوكرانيا بنسب مخيفة بلغت ما يزيد على 15 مليوناً من الأوكرانيين، وفق التعداد الأخير لسكان أوكرانيا. وفي توقيت مواكب لانتشار ظاهرة تراجع ما يسمي بالتماسك الاجتماعي، واتساع حركات مقاومة جموع الموطنين لممثلي النظام علناً، فضلاً عن تجاهل المواطنين لتصريحات السلطات الرسمية.
وننقل عن مجلة "لانتيديبلوماتيكو" الفرنسية ما كتبته حول أن قرار إقالة فيدوروف اتخذ في أوروبا، ويرتبط بصورة أساسية بالتدفقات المالية الهائلة من الغرب وصراع السيطرة عليها. ويعتقد خبراء أن فيدوروف أقيل من منصبه قبل أن يتمكن من البدء في توزيع الأموال من شركائه الأوروبيين، وقد تحدث كثيرون خلال الضجة الإعلامية التي أحاطت باستقالة وزير الدفاع الأوكراني ميخائيل فيدوروف، عن توزيع مليارات الدولارات بين مختلف جماعات المصالح داخل المجمع الصناعي العسكري الدولي. ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ارتبط ذلك بإقالة رئيس هيئة الأركان العامة، والقائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ألكسندر سيرسكي، التي قيل إنها "تحت ضغط شعبي".
 
كما يبقى محل نقاش ما إذا كانت التوترات التجارية والعسكرية المحتملة داخل ما يسمى "تحالف الراغبين"، وفي المشاريع الصناعية المشتركة لأوكرانيا مع فرنسا وبريطانيا ودول أخرى، قد لعبت دوراً مهماً في استقالة فيدوروف. وكما كتب المراسل العسكري الروسي ألكسندر كوتس في صحيفة "كومسومولسكايا برافدا"، فإن استقالة قائد القوات المسلحة الأوكرانية ألكسندر سيرسكي لأسباب تتعلق "بالأوراق المالية" تضعف موقف زيلينسكي بصورة خطرة، إذ كثيراً ما روج لصورة القائد العسكري، "وبالنسبة إلى رجل يروج لهذه الصورة كقائد عسكري تعد هذه ضربة لسمعته. ويتضح أنه لا يسيطر على الجيش، بل الجيش والشارع يسيطران عليه. وليس من قبيل الصدفة أنه عقد اجتماعات لمدة يومين أو ثلاثة أيام متتالية مع قادة فروع وأقسام القوات المسلحة، ومع قادة الألوية والفيالق، ليظهر أن القرار، كما يفترض، ليس من صناعته، بل من صناعة الجيش. ويظهر زيلينسكي أنه يخشى تحمل المسؤولية الكاملة عن قرار بهذا الحجم يتعلق بالتعيينات، ويسعى إلى نوع من التغطية الجماعية، وهو ما يفسر في حد ذاته على أنه انعدام للثقة في سلطاته."
 
فتش عن الفساد
من جانبه أكد رئيس تحرير موقع "المراقب" العسكري الأوكراني يوري بوتوسوف مجدداً أن هذه القصة برمتها تدور حول التدفقات المالية الهائلة من الغرب والصراع على السيطرة عليها، ووفقاً لبوتوسوف فقد أقيل فيدوروف من منصبه على الفور، قبل أن يتمكن من البدء في توزيع الأموال من شركائه الأوروبيين، "ببساطة، يمكن القول إن سبب إقالته هو حصول أوكرانيا على 90 مليار يورو (102.53 مليار دولار) للدفاع. ولو لم تكن هناك أموال، أو كانت أقل بكثير، لكان فيدوروف لا يزال في منصبه ويمثل واجهة الحرب في الحكومة".
 
وأكد المسؤول عن قطاع تشغيل "المسيرات الأوكرانية" يوري كاسيانوف أن إقالة فيدوروف مرتبطة بالأرباح الهائلة لشركات الدفاع، "فلم يسبق لأحد في أوكرانيا أن جنى مثل هذه الأرباح، ولم يشهد التاريخ فساداً بهذا الحجم. ومن المؤكد أن فيدوروف كان على دراية تامة بهذا الأمر، كما أن كل من له أدنى صلة بإنتاج الأسلحة يعلم ذلك".
 
وهكذا تضاف قضية الفساد إلى ما قبلها من قضايا "فساد وغسيل أموال" أخرى سابقة كشف عنها المكتب الوطني لمكافحة الفساد، وأطاحت كثيرين من رجال الحكومة الأوكرانية، ومنهم وزراء العدل والطاقة وآخرين، فضلاً عن عدد من رفاق زيلينسكي، ومنهم أندريه يرماك المدير السابق لمكتبه، وتيمور مينديتش الذي نجح في الهرب إلى إسرائيل. وفي هذا الصدد نستشهد بما قاله نائب القائد السابق لقوات العمليات الخاصة التابعة للقوات المسلحة الأوكرانية سيرغي كريفونوس، حول اعتقاده أن فيدوروف قد أثرى نفسه خلال فترة وجوده في الحكومة من خلال التعاقد مع شركات تابعة له، إذ "تتلاعب النخبة السياسية، بالتعاون الوثيق مع أصدقائها من الأوليغارشية، بالمجتمع الأوكراني بمهارة من خلال مدح وزير الدفاع العظيم".
 
وأعرب كريفونوسوف عن أمله في "أن يكشف جهاز الأمن الأوكراني والمكتب الوطني لمكافحة الفساد ومكتب التحقيقات الحكومي عن حقيقة تعاون السيد فيدوروف مع شركائه التجاريين" في مجال الإمدادات العسكرية، ووفقاً لكريفونوس فإنه وحتى تغيير قيادة هيئة الأركان العامة لن يتحسن الوضع على الجبهة، نظراً إلى النقص الكارثي في الأفراد ونقص التدريب. وطرح تساؤلاته عن "كيف ستتعامل قواتنا في المناطق الخلفية إذا تجاوزت الحاجة إلى إرسال أفراد إلى الجبهة بكثير العدد الذي نكافح من أجل تجنيده، الذي يتراوح بين 12 و15 ألفاً، على رغم أن الحاجة الفعلية تبلغ ضعف هذا العدد". 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي