الحاجة إلى عبث الحرب..

الحاجة إلى عبث الحرب..

شكرا

 

 

 

 

د. راشد الشاشاني

إيران، التي أنهكتها ضربات واشنطن، ومعها إسرائيل قبل ذلك، وضغط حكومات الدول التي تحاول سحب سلاح الميليشيات التابعة لها، لا تتوقف عن إثارة حفيظة واشنطن بضربة هنا وأخرى هناك، ولا سيما في دول الجوار. فأيّ مصلحة تدعوها إلى ذلك؟

عسكرة طباعنا وعقليتنا المقاتلة، التي تفهم جيداً ما يفعله هؤلاء، تقول: إنه ينبغي أن يبقى العدو قلقاً، وألا يطمئن إلى مرور الوقت، بما قد يتيح له استعداداً جديداً للالتفاف خلف أسوار الهدوء. هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، ينبغي ألا يُترك للزمن فرصة "تحريك المواقف والمواقع". وما يعنيه هذا المفهوم هو ضرورة سحب قدرة العدو على فرض أمر واقع جديد، يعتذر فيه بتغيّر الأحوال والأزمان والأشخاص والظروف، ليغيّر مقدار ونوع مطلبك. بمعنى أن تكتيك "اللي فات مات، وهسّا إحنا ولاد اليوم" لا تقبله الصرافة نهائياً. وهذا ما يفسر مراوحة الموقف الإيراني مكانه منذ عقود.

وفي مقصد آخر، تقطع إيران الطريق على أي فرصة عسكرية للانقضاض المفاجئ، الذي يمكن لظروف الهدوء أن تهيئه، بما يعني سير خطة عسكرية باستقرار، ولو لساعات، تنتهي بلحظة ظرفية حاسمة، وهو ما لن تسمح به إيران؛ إيران العسكرة والقتال، لا إيران اللحية والمسبحة والتعاويذ.

هناك خطأ يقع فيه ترامب، بفعل رعونته، حين يظن أنه يستطيع شق الصف المعادي. فمثلاً، عندما يشيد برئيس مجلس النواب اللبناني، ملمحاً إلى أن "صفقة تحت الطاولة" تتم، وقد يكون الرئيس اللبناني فيها "وسيطاً منحازاً"، في الوقت ذاته الذي يستعد فيه للحديث مع حزب الله، عليه ألا يتوقع أن تتركه إيران يحاول الاقتراب من أذرعها، وهي ترى مخاوف التفاف أميركي عبر السعودية، سواء باتجاه صفقة مع الحوثيين أو مع فصائل عراقية، وعقد تفاهمات مستقلة عن إيران.

ووقع ترامب كذلك في محذور التقارب بين عون وبري، بعد أن خاب ظن الأول من تعهدات ترامب ذات الوزن الخفيف، التي عقدت الصورة أمامه وأمام اللبنانيين، الذين راح رئيسهم "يهرول" خلف رئيس وزرائه إلى مضارب أردوغان، لعله يفوز بكتاب مترجم إلى التركية هو الآخر، يصد به أي تدخل سوري قادم قد يفرضه ترامب.

والمشهد العراقي يحمل السمات نفسها، حين يستميل جانباً من الفصائل، في مقابل الضغط على البقية، ويخلط أوراق العراق مع السعودية وإيران، إثر إلغاء زيارة الزيدي، الذي حج هو الآخر إلى أردوغان، بعد أن فضح ترامب، عامداً، تنسيقه مع حكومته. تذكروا تصريحاتنا حول لعب ترامب بأعصاب الحلفاء والأصدقاء.

وفي مشهد هذا اللعب، تُرك ملعب الحرب مفتوحاً لنتنياهو خلف ظهر ترامب، الذي أذهله تراكم المفاجآت المحبطة، ولم تسعفه معها خطط نتنياهو الجديدة، ولا معلوماته التي "تنتمي إلى الدعاية التجارية" أكثر منها إلى "المعلومات الاستخبارية العسكرية". لذلك قد يلجأ نتنياهو، أمام عجز ترامب عن توجيه ضربات "مخفية"، بمعنى توسيع المواجهة هنا أو هناك، إلى عملية محدودة قد تكون على حساب المواقف والتفاهمات، لا الأرض، ولا سيما في سوريا ولبنان.

لكن الأهم أن يتحرك من خلال قواعد سرية، ليست كتلك التي أنشأها في العراق، بعدما انكشف أمرها، بل ربما عبر قاعدة ذكية "متحركة" داخل إيران أو في الأراضي التي تسيطر عليها ميليشيات مدعومة من إيران، سواء بواسطة عناصر غير معروفة تابعة لإسرائيل مباشرة تعود إلى مخابئها فور تنفيذ ضربتها، أو من خلال عناصر داخل هذه الميليشيات، أو عملاء داخل القوة العسكرية الإيرانية، ينفذون مثل هذه الضربات باسم فصائلها ثم يفرون إلى غير رجعة.

وهذا السيناريو، وإن بقي في خانة الاحتمال، فإنه يجد طريقاً سالكاً عند البحث في الضربات الأخيرة على دول الجوار، بل وحتى السفن في ميناء دمياط.

وسننهي حديثنا ونحن نتذكر واقعة حدثت قبل سنوات، حين أنهى أحد قادة "قوات سوريا الديمقراطية" اجتماعاً مع قيادات عسكرية أميركية داخل قاعدة عسكرية أميركية، وبعد أن ابتعد عدة أمتار في طريق خروجه، انفجرت السيارة التي كانت تقله، فقضى فيها مع مرافقيه.

السؤال: أين فُخخت السيارة؟

قد لا يعمل نتنياهو وحيداً في إحداث تخريب ما. فمصلحة العبث ليست في صف إيران وحدها، بل تشاركها فيها إسرائيل والولايات المتحدة، لكن من زوايا متباينة، وضمن معايير مختلفة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي