لم تعد حرائق الغابات خبراً عابراً في نشرات الطقس، بل أصبحت عنواناً ثابتاً للأزمات العالمية. ففي الوقت الذي تكافح فيه جزيرة كريت اليونانية نيراناً هائلة أجبرت آلاف السكان والسياح على الإجلاء، تتواصل الحرائق في إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا وأجزاء من الولايات المتحدة، في مشهد يعكس تصاعداً غير مسبوق في وتيرة الكوارث الطبيعية.
الخبراء يحذرون من أن العالم يمر بمرحلة جديدة، لم تعد فيها الحرائق موسمية أو محلية، بل أزمة عابرة للحدود، تمتد من غابات المتوسط إلى أميركا الشمالية، وتهدد الإنسان والاقتصاد والبيئة في آن واحد.
في جنوب جزيرة كريت، تخوض فرق الإطفاء اليونانية معركة شرسة ضد حرائق انتشرت بسرعة كبيرة بفعل الرياح القوية ودرجات الحرارة المرتفعة. وشاركت مئات العناصر، مدعومة بطائرات ومروحيات، في محاولة لتطويق النيران ومنع وصولها إلى مناطق سكنية وسياحية.
وأجبرت الحرائق آلاف السكان والزوار على مغادرة منازلهم وفنادقهم، فيما تحولت بعض المدارس والقاعات العامة إلى مراكز إيواء مؤقتة. كما تضررت مساحات واسعة من الغابات والبساتين، في ضربة جديدة لقطاع السياحة الذي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد اليوناني.
ليست كريت وحدها في المواجهة.
في اليونان، تتواصل الحرائق في عدة مناطق مع استمرار حالة التأهب القصوى.
وفي إسبانيا، أتت النيران على مساحات واسعة من الغابات، بينما تعمل فرق الإطفاء على منع امتدادها إلى التجمعات السكنية.
أما البرتغال، التي عانت في السنوات الماضية من حرائق مدمرة، فعادت لتواجه موسماً صعباً مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
وفي فرنسا وإيطاليا، رفعت السلطات مستوى الإنذار، وأغلقت بعض الطرق والغابات، فيما تستمر عمليات الإخماد وسط ظروف مناخية معقدة.
وفي تركيا، اندلعت حرائق في مناطق غابية وساحلية، ما استدعى عمليات إجلاء احترازية في بعض المواقع.
على الضفة الأخرى من الأطلسي، لا تبدو الصورة أفضل. فالولايات الغربية في الولايات المتحدة، وفي مقدمها كاليفورنيا، تشهد هي الأخرى موسماً صعباً مع اندلاع حرائق واسعة في مناطق حرجية، أجبرت السلطات على إصدار أوامر إخلاء وإغلاق طرق، وسط مخاوف من اتساع رقعة النيران مع استمرار موجات الحر.
ويؤكد خبراء البيئة أن ما يجري في أوروبا وأميركا ليس حدثاً منفصلاً، بل نتيجة لظروف مناخية متشابهة تزيد من قابلية الغابات للاشتعال.
تجمع المؤسسات البيئية على أن الأسباب الرئيسية تشمل:
موجات حر غير مسبوقة.
جفاف طويل أدى إلى تحول الغطاء النباتي إلى وقود سريع الاشتعال.
رياح قوية تسرّع انتشار النيران.
عوامل بشرية، سواء نتيجة الإهمال أو في بعض الحالات الحرائق المتعمدة التي تخضع للتحقيق.
ويرى العلماء أن تغير المناخ لا يشعل الحرائق مباشرة، لكنه يخلق الظروف التي تجعلها أكثر شراسة وأصعب احتواءً.
الحرائق لا تلتهم الغابات فقط، بل تضرب قطاعات حيوية بأكملها:
خسائر في الزراعة والإنتاج الغذائي.
تراجع النشاط السياحي في بعض المناطق.
تدمير منازل وبنى تحتية.
تلوث هوائي واسع النطاق.
انبعاث ملايين الأطنان من الغازات الدفيئة، ما يزيد من تفاقم أزمة المناخ.
وتحذر شركات التأمين من أن الكلفة الاقتصادية لمواسم الحرائق ترتفع عاماً بعد عام، لتبلغ مليارات الدولارات.
يقع لبنان ضمن الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وهو من المناطق التي تشهد صيفاً حاراً وجافاً. ومع استمرار موجات الحر، ترتفع احتمالات اندلاع حرائق في الغابات والأحراج، خصوصاً في المناطق الجبلية، ما يفرض تعزيز الجهوزية، وصيانة خطوط النار، وتكثيف المراقبة، وتوعية المواطنين لتجنب أي سلوك قد يؤدي إلى اشتعال النيران.
قبل سنوات، كانت الحرائق تُعد أحداثاً استثنائية. أما اليوم، فقد أصبحت تتكرر بوتيرة أعلى، وتمتد لمواسم أطول، وتغطي مساحات أوسع، في مؤشر واضح إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة من المخاطر البيئية.
وتؤكد دراسات المناخ أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيزيد من عدد الأيام المصنفة "عالية الخطورة" لاندلاع الحرائق، ما يعني أن الدول ستحتاج إلى استثمارات أكبر في الوقاية والإنذار المبكر وتجهيز فرق الإطفاء.
قد يكون الدخان المتصاعد من غابات كريت أو كاليفورنيا بعيداً عن لبنان جغرافياً، لكنه يحمل رسالة واحدة إلى العالم: الطبيعة تغيّر قواعد اللعبة.
فالحرائق لم تعد أزمة محلية، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة الدول على حماية الإنسان والبيئة والاقتصاد. وإذا كانت الحروب تُغيّر خرائط السياسة، فإن حرائق المناخ تعيد رسم خرائط الحياة نفسها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما نشهده هو ذروة موسم استثنائي، أم أن صيف النار سيصبح القاعدة الجديدة التي سيتعين على العالم التعايش معها؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :