"حمير الإطفاء".. سلاح إسبانيا لمواجهة حرائق الغابات

 

 

 

 

في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم إلى استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لمواجهة حرائق الغابات، اختارت إسبانيا الاستعانة بفريق إطفاء من نوع مختلف، لا يحمل خراطيم المياه، ولا يرتدي خوذات، بل يمتلك أربع قوائم وشهية مفتوحة للنباتات الجافة.

إنها حمير تحولت إلى خط دفاع طبيعي ضد حرائق الغابات، إذ لا تخمد النيران بعد اشتعالها، لكنها تعمل قبل ذلك على تقليل المواد النباتية التي تغذي الحرائق وتساعدها على الانتشار.
مهمة مشتعلة
في منطقة تيفيسا جنوب كتالونيا، تتجول قطعان من الحمير بين الجبال والمناطق الريفية في مهمة تبدو بسيطة لكنها تحمل أهمية كبيرة، وهي أكل الأعشاب والشجيرات الجافة التي يمكن أن تتحول خلال الصيف إلى وقود سريع للاشتعال.
وتساعد هذه العملية في تشكيل ما يشبه الحواجز الطبيعية أمام النيران، عبر تقليل كثافة الغطاء النباتي الذي يسمح للحرائق بالانتقال بسرعة من منطقة إلى أخرى، وفق موقع (National Geographic).
ولا تدخل هذه الحيوانات إلى قلب الحرائق كما قد يوحي لقبها، بل تخوض معركة وقائية تبدأ قبل ظهور الدخان الأول، في محاولة لجعل الغابات أقل قابلية للاشتعال.
من الإهمال إلى الإنقاذ
وراء هذه المبادرة قصة إنسانية لا تقل أهمية عن دورها البيئي، إذ تقوم منظمة "حمير الإطفاء في تيفيسا" غير الربحية بإنقاذ حمير تعرضت للإهمال أو التخلي، ثم إعادة تأهيلها لتصبح جزءًا من مشروع حماية الغابات، وفق شبكة CNN.
وبدأ مؤسس المبادرة جوان سيدو سانس، استقبال أول مجموعة من الحمير عام 2020، بعدما لاحظ قدرة هذه الحيوانات على إزالة الغطاء النباتي الكثيف حول المناطق المعرضة للحرائق. ومع مرور الوقت، تحول الاختبار إلى مشروع منظم يضم اليوم نحو 62 حمارًا تعمل على تنظيف الأراضي العامة والخاصة في جنوب كتالونيا.
ويقول القائمون على المشروع إن الفكرة تحقق منفعة مزدوجة، فالحمير تحصل على الرعاية والطعام والحياة ضمن قطيع، بينما تساعد في حماية المناطق الطبيعية من خطر الحرائق.
وفي متنزه دونانا الوطني، بجنوب إسبانيا، هناك مشروع آخر بدأ منذ عام 2014، يضم نحو 18 حمارًا تعمل على إزالة النباتات القابلة للاشتعال، ولم يسجل المتنزه حريقًا كبيرًا خلال سنوات عمل المبادرة.
لماذا الحمير تحديدًا؟
يرى خبراء البيئة أن استخدام الحيوانات العاشبة في إدارة الغابات ليس فكرة جديدة، لكنه عاد إلى الواجهة مع تزايد حدة حرائق الغابات في أوروبا.
ويشير باحثون إلى أن الحمير تتميز بقدرتها على تناول النباتات الجافة والخشنة، كما أن وزنها يساعدها على سحق الغطاء النباتي أثناء الحركة، ما يقلل من تراكم المواد القابلة للاشتعال.
لكن الخبراء يؤكدون أن هذه الحيوانات لا تمثل حلًا سحريًا، وإنما أداة مساعدة ضمن استراتيجية أوسع، إذ يمكن للرعي المنظم أن يقلل شدة الحرائق ويجعل السيطرة عليها أسهل، لكنه لا يمنع اندلاعها بالكامل، وفق شبكة CNN.
فكرة قديمة تعود
قبل انتشار الآلات الحديثة، كانت الحيوانات الراعية جزءًا أساسيًا من إدارة الأراضي في مناطق البحر المتوسط، حيث ساهمت الأغنام والماعز والحمير والخيول في تقليل تراكم النباتات الجافة.
ومع تراجع النشاط الزراعي وهجرة سكان المناطق الريفية، تراكمت كميات أكبر من الأعشاب والشجيرات التي أصبحت وقودًا جاهزًا للحرائق خلال موجات الجفاف والحرارة المرتفعة.
ولهذا بدأت مناطق عدة في إسبانيا إعادة إحياء هذه الطريقة القديمة؛ ففي متنزه دونيانا الوطني، تعمل منذ عام 2014 مجموعة من الحمير التي جرى إنقاذها على تنظيف المناطق المحيطة بالمنتزه، كما ظهرت مشاريع مشابهة في غاليسيا وكتالونيا تعتمد على الحيوانات العاشبة للحد من مخاطر الحرائق، وفق موقع (euronews).
ليست وحدها في المعركة
لا تقتصر الفكرة على الحمير فقط، إذ تستخدم مناطق أخرى في إسبانيا الأغنام والماعز والخيول شبه البرية كوسيلة طبيعية لإزالة النباتات القابلة للاشتعال.
وفي كتالونيا، تربط مبادرات بين الرعاة وفرق الإطفاء بهدف توجيه قطعان الحيوانات إلى المناطق الأكثر عرضة للحرائق، باعتبار أن الرعي المنظم يمكن أن يكون جزءًا من خطط الوقاية.
جنود في مواجهة الحرائق
تأتي مبادرات "حمير الإطفاء" في وقت تواجه فيه إسبانيا وفرنسا أحد أصعب مواسم حرائق الغابات خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح التي ساعدت على انتشار النيران بسرعة.
في إسبانيا، أدت الحرائق خلال هذا الموسم إلى احتراق مساحات واسعة من الغابات، حيث أشارت تقارير إلى احتراق أكثر من 130 ألف هكتار، مع عمليات إجلاء واسعة للسكان في مناطق عدة، بينها مناطق قرب مدريد، وسط مشاركة آلاف عناصر الطوارئ ودعم أوروبي لمكافحة النيران، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.
أما فرنسا، فقد واجهت حرائق واسعة خصوصًا في الجنوب الغربي، حيث شارك أكثر من 3 آلاف رجل إطفاء وعشرات الطائرات في عمليات السيطرة على النيران، بينما أُجلي عشرات الآلاف من السكان والسياح في المناطق المتضررة.
وحذرت السلطات الفرنسية من أن بعض الحرائق أصبحت أكثر صعوبة بسبب الظروف المناخية القاسية، فيما ربط مسؤولون وخبراء بين تزايد شدة هذه الظواهر وارتفاع درجات الحرارة المرتبط بتغير المناخ.
ومع تحول حرائق الغابات إلى تهديد متكرر في أوروبا، لا تبحث الدول فقط عن مزيد من الطائرات والفرق المتخصصة، بل بدأت أيضًا في العودة إلى حلول طبيعية قديمة، مثل الرعي المنظم، باعتباره خط دفاع إضافيًا قبل وصول ألسنة اللهب.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي