خاص Icon News
في خضم المشهد الجيوسياسي المعقد لمنطقة الشرق الأوسط، حيث تتقاطع خطوط الصراع مع حدود الذاكرة الجمعية، يبرز اسم غسان كنفاني ليس مجرد كاتب فلسطيني، بل كمؤسس لفكر مقاومة ثقافي وسياسي غير قابل للمسح. وُلد في عكا عام 1936، وعاش تجربة النكبة مبكرًا حين نزحت عائلته إلى لبنان ثم سوريا، وهي التجربة التي شكلت الوعي النقدي لديه وجعلت من الأدب أداةً لتوثيق المأساة وصياغة الهوية المنفية. لم يكن كنفاني راصدًا سلبيًا للأحداث، بل كان فاعلًا سياسيًا بارزًا، عمل صحفيًا، أسس مجلة "الهدف"، وشغل منصب المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مما يجعل شخصيته جسرًا حيويًا بين الخطاب الثقافي والنضال المسلح والتنظيم السياسي.
من منظور جيوسياسي، تمثل أعمال كنفاني تحديًا مباشرًا لرواية الاحتلال ومحاولات طمس الوجود الفلسطيني. روايتا "رجال في الشمس" (1963) و"عائد إلى حيفا" (1970)، بالإضافة إلى "أم سعد" (1969)، لم تكن نصوصًا أدبية فحسب، بل وثائق إنسانية تكشف عن آليات التشريد، فقدان الأرض، وتحول المرأة الفلسطينية إلى رمز للصمود والمقاومة اليومية. ترجمت أعماله إلى أكثر من 17 لغة ونشرت في عشرات الدول، مما وسّع دائرة التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية وجعلها جزءًا من الحوار الإنساني العالمي حول حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. تأثر كنفاني بالفكر الماركسي والواقعية النقدية، لكنه تجاوز الأطر الأكاديمية ليصوغ خطابًا شعبيًا يتناول معاناة اللاجئ في المخيم وكفاحه اليومي ضد الإلغاء.
على الصعيد العاطفي والوطني، يبقى اغتيال كنفاني على يد الموساد الإسرائيلي في بيروت عام 1972 لحظة محورية تعكس خوف النظام الصهيوني من قوة الكلمة المدركة لقضيتها. لم يُقمع اغتياله ذكرى الكاتب، بل قدّسه وأزال عنه زوايا الضعف البشرية ليبقى أيقونة لا تموت. مقولته الشهيرة "إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين" تلخص فلسفته في الاستمرار والصمود أمام محاولات الإبادة الثقافية والفيزيائية. اليوم، تدرس أعماله في الجامعات العالمية ويُعاد اكتشافها من قبل أجيال جديدة، مؤكدة أن المقاومة لا تقتصر على السلاح فقط، بل تشمل الحفاظ على الذاكرة، اللغة، والهوية كوسائل دائمة للحرية والتحرر الوطني.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :