بقلم المحامي الدكتور جورج النجار.
تأسست العلاقات الأمريكية-الخليجية على مدار عقود القرن الماضي بموجب معادلة استراتيجية غير مكتوبة عُرفت بـ "الأمن مقابل تدفق الطاقة". تعود هذه التفاهمات تاريخياً إلى اللقاء الشهير بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على متن المدمرة "يو إس إس كوينسي" عام 1945. وتكرست هذه المعادلة قانونياً وسياسياً في أعقاب الثورة الإيرانية (1979) وغزو أفغانستان، عبر ما عُرف بـ "عقيدة كارتر" (Carter Doctrine) عام 1980، والتي أعلن فيها الرئيس جيمي كارتر أن أي محاولة من جانب أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيتم ردعها بكل الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية.
تُرجمت هذه العقيدة السياسية إلى شبكة معقدة من الاتفاقيات القانونية الثنائية (Defense Cooperation Agreements - DCAs) بين واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما بعد حرب تحرير الكويت عام 1991. بموجب هذه الاتفاقيات، مُنحت القوات الأمريكية تسهيلات سيادية واسعة وحصانات قضائية (Status of Forces Agreements - SOFA) لإقامة قواعد عسكرية ضخمة ومستدامة، مثل قاعدة "العديد" الجوية في قطر (التي تضم مقر القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM)، وقاعدة "علي السالم" في الكويت، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، ومنشآت "الظفرة" في الإمارات.
من المنظور القانوني الدولي، كانت هذه الاتفاقيات تُمثل التزاماً ضمنياً بالحماية المتبادلة والدفاع عن السلامة الإقليمية للدول المضيفة، وهي المظلة التي ظنت العواصم الخليجية أنها غير قابلة للاختراق، حتى وضعتها حرب عام 2026 بين الولايات المتحدة وإيران تحت مقصلة الاختبار الحقيقي.
أولاً: زلزال 2026 والانكشاف العسكري والمفهوم "الوهِمي" للحماية
شكلت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في عام 2026 نقطة تحول بنيوية في مفهوم الردع. فالضربات الصاروخية المكثفة وموجات الطائرات المسيرة الانتحارية التي أطلقتها طهران وفصائلها الحليفة في المنطقة، لم تستهدف المصالح الأمريكية في البحار فحسب، بل وجهت ضربات مباشرة ومؤلمة للقواعد الأمريكية المنتشرة في قطر والكويت والبحرين والإمارات.
هذا التطور العسكري كشف عن معضلتين قانونيتين وسياسيتين خطيرتين:
عجز منظومات الدفاع وفشل بند الحماية: تبين أن القواعد الأمريكية الثابتة والمكشوفة تحولت إلى عبء أمني ومستودع للأهداف (Sitting Ducks). لم تفشل هذه القواعد في حماية نفسها بالكامل فحسب، بل إن وجودها جذب النيران المباشرة إلى أراضي دول خليجية ذات سيادة، مهدداً أمنها القومي وبنيتها التحتية الحيوية واقتصادها غير النفطي.
ترك الحلفاء لمصيرهم (التخلي الاستراتيجي): من الناحية القانونية والسياسية، تجنبت واشنطن تفعيل مبدأ "الدفاع الجماعي" الشامل لحماية الأراضي الخليجية خارج أسوار قواعدها، وحصرت ردودها العسكرية في إطار "الدفاع عن النفس" (Self-Defense) بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لحماية جنودها ومعداتها فقط.
هذا السلوك الأمريكي أكد للعواصم الخليجية أن "الحماية الأمريكية المطلقة" كانت إلى حد كبير مفهوماً وهمياً. فقد وجدت دول الخليج نفسها متروكة لمصيرها، تدفع ثمن صراع لم تكن طرفاً مباشراً في اتخاذه، مما خلق حالة من "انعدام اليقين القانوني والأمني" بشأن جدوى استمرار هذه الاتفاقيات الدفاعية.
ثانياً: إعادة النظر الخليجية في العلاقات والتحول نحو الواقعية السياسية
أدت صدمة الانكشاف في حرب 2026 إلى حتمية إعادة النظر الخليجية في طبيعة العلاقة مع واشنطن. لم يعد القرار الخليجي متمحوراً حول كيفية إرضاء الحليف الأمريكي، بل حول كيفية النجاة في بيئة إقليمية تفتقر إلى الردع الأمريكي. تُرجم ذلك عبر مسارين:
1. مراجعة الاتفاقيات الأمنية (Security Revisionism)
بدأت الأروقة القانونية والسياسية في الخليج تتحدث عن مراجعة بنود اتفاقيات التسهيلات العسكرية وصلاحيات استخدام الأجواء والأراضي. أصبح هناك فيتو خليجي صارم وغير معلن يمنع استخدام القواعد الأمريكية في الخليج لشن هجمات هجومية ضد دول الجوار (مثل إيران) لتجنب الضربات الارتدادية، مما أفقد هذه القواعد قيمتها العملياتية بالنسبة للبنتاغون كمنصات هجومية.
2. تنويع الشراكات والحكم الذاتي الاستراتيجي
تخلت دول الخليج عن حصرية الشراكة الأمنية مع الغرب؛ فاتجهت نحو تفعيل وتوسيع الشراكات التكنولوجية والعسكرية مع الصين وروسيا، وتطوير صناعات دفاعية محلية، فضلاً عن انتهاج "دبلوماسية تصفير المشاكل" عبر قنوات الاتصال المباشرة ومذكرات التفاهم الإقليمية (التي قادتها قطر وعُمان) لتأمين نفسها ذاتياً بعيداً عن المظلة الأمريكية.
ثالثاً: الاستراتيجية الأمريكية البديلة: تركيز القواعد في إسرائيل والعمق اللبناني
أمام هذا الرفض الخليجي لتحويل أراضيه إلى ساحات حرب، والانكشاف العسكري للقواعد، بدأ التفكير الاستراتيجي الأمريكي يميل نحو "حصر وتركيز الحضور العسكري" في مناطق يسهل الدفاع عنها قانونياً وسياسياً، وتتمتع بـ "موثوقية حليفة ومطلقة". تبرز هنا فكرة نقل الثقل العسكري إلى جبهتين رئيسيتين:
1. إسرائيل كقاعدة ارتكاز موحدة
يمثل نقل القواعد (أو أجزاء حيوية من مفاصل القيادة واللوجستيات) من الخليج إلى إسرائيل حلاً تكتيكياً لواشنطن من عدة جوانب:
الشرعية القانونية الداخلية: لا تواجه واشنطن أي قيود سياسية أو برلمانية داخل إسرائيل تمنعها من استخدام الأراضي لشن عمليات هجومية؛ بل هناك تماهٍ كامل في العقيدة الأمنية.
الدفاع الصاروخي الكثيف: حصر القواعد في بقعة جغرافية محددة في إسرائيل يسمح بدمج منظومات الدفاع الجوي الأمريكية (مثل ثاد والبطاريتين الساحليتين) مع المنظومات الإسرائيلية المتطورة (الحيتان، مقلاع داوود، والقبة الحديدية)، مما يخلق شبكة دفاعية طبقية يصعب اختراقها مقارنة بالانتشار الخليجي المترامي والمكشوف.
2. المحور اللبناني-شرق المتوسط وسفارة المليار دولار
لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن الصرح العسكري والدبلوماسي الهائل الذي شيدته الولايات المتحدة في منطقة "عوكر" في لبنان، والذي بلغت تكلفته ما يقارب المليار دولار. هذا المجمع الضخم ليس مجرد سفارة بمعناها التقليدي، بل هو مركز القيادة والتحكم والاتصال والاستخبارات (C4ISR) الأكثر تطوراً في شرق المتوسط.
تتجلى الأهمية القانونية والاستراتيجية لهذا الموقع البديل (أو المكمل لإسرائيل) في الآتي:
القرب من نقاط السخونة: يقع هذا المركز على مسافة جغرافية صفرية من جنوب لبنان، وغزة، والعمق السوري، مما يمنح واشنطن قدرات رصد وتوجيه عملياتي فوري.
تأمين الجبهة البحرية وحقول الغاز: يطل هذا الحضور على حوض شرق المتوسط الذي يضم أضخم حقول غاز في العالم (مثل حقل ليفياثان، وتامار، وحقل قانا). من الناحية القانونية الدولية، تسعى أمريكا لتثبيت وجودها كضامن لترسيم الحدود البحرية ولحماية خطوط إمداد الطاقة البديلة لأوروبا ضد أي تهديدات من فصائل المقاومة.
توفير غطاء دبلوماسي لعمليات أمنية: تمنح الحصانات الدبلوماسية الممنوحة للمجمع بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 غطاءً قانونياً مثالياً لإدارة عمليات استخباراتية وتكنولوجية وعسكرية فائقة الحساسية دون الخضوع لرقابة الدولة المضيفة.
رابعاً: الأثر القانوني والجيوسياسي: هل هي بداية النهاية للعلاقة التاريخية؟
إن طرح سيناريو نقل القواعد يضعنا أمام سؤال المصير: هل هذا ينذر بنهاية العلاقة بين أمريكا والخليج؟ الإجابة القانونية والواقعية تقتضي التمييز بين "نهاية الهيمنة والأحادية" وبين "فك الارتباط الكامل".
1. تحول طبيعة الالتزام القانوني
إذا تم نقل القواعد أو حصرها في إسرائيل وشرق المتوسط، فإن ذلك سيعني قانونياً إنهاء مفعول "عقيدة كارتر" رسمياً وتصفير "DCAs" (اتفاقيات الدفاع المشترك) في شكلها القديم. ستتحول العلاقة من "تحالف أمني بنيوي وحصري" إلى "شراكة تجارية وبراغماتية مصلحية" (Transaction-based Relationship). لن تعود أمريكا الحامي للخليج، بل ستصبح مجرد "مورد سلاح" بموجب عقود تجارية دولية خاضعة لشروط السوق.
2. التداعيات على القانون الدولي والتوازن الإقليمي
تكريس الانقسام الاستراتيجي: إن حصر القواعد الأمريكية في إسرائيل ومحيط السفارة في لبنان سيعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة؛ حيث ستصبح أمريكا وإسرائيل جهة عسكرية واحدة ومباشرة في مواجهة "محور ممتد"، بينما تقف دول الخليج في منطقة "الحياد الإيجابي" لحماية مصالحها الاقتصادية.
ملء الفراغ القانوني والأمني: انسحاب الثقل الأمريكي العسكري من الخليج سيفتح الباب قانونياً وسياسياً لإبرام معاهدات أمن جماعي جديدة برعاية صينية-روسية-إقليمية، وإعادة صياغة القوانين المنظمة للملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز بناءً على توازنات القوى الجديدة.
بناءً على السردية التحليلية السابقة، يمكن القول إن حرب عام 2026 مزقت "ورقة التوت" عن وهم الحماية الأمريكية المطلقة لدول الخليج. إن التفكير الأمريكي في تركيز وقصر القواعد العسكرية في إسرائيل، والاعتماد على المراكز اللوجستية والاستخباراتية المحصنة في شرق المتوسط (مثل مجمع سفارة عوكر في لبنان) لحماية مصالح الغاز ومراقبة جبهات غزة والجنوب اللبناني، يمثل اعترافاً أمريكياً بفشل نموذج الانتشار القديم.
هذا التحول لا يعني بالضرورة قطيعة تامة أو "نهاية" للعلاقات الأمريكية-الخليجية، بل يعني "نهاية عصر التبعية الأمنية". نحن أمام ميلاد نظام إقليمي جديد، يتسم بالبراغماتية الشديدة؛ حيث يتحرر الخليج من قيود الحليف الأوحد ويتجه نحو التعددية القطبية، بينما تتقوقع الولايات المتحدة داخل معاقلها الأكثر أماناً وموثوقية في شرق المتوسط، لتتحول العلاقة التاريخية من "صك حماية أبدي" إلى "بروتوكول مصالح مؤقتة" تحكمه موازين القوى المتغيرة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :