ليليان عبد الخالق - باحثة في العلوم السياسية
في الصراعات الكبرى لا تُكتب النتائج في ميادين المواجهة وحدها، بل تُحسم أيضاً في اللحظة التي تتحول فيها لغة الحرب إلى نصّ اتفاق. واليوم، لم يعد الأمر في إطار التقدير أو الاحتمال؛ فالاتفاق وُقِّع، والأموال المجمَّدة أُفرج عنها اثنا عشر مليار دولار عادت إلى طهران وباتت اللحظة السياسية الفاصلة حقيقةً راسخة تُعيد تعريف نتائج المواجهة بأثر رجعي.
في الخطاب الغربي وبعض القراءات الإسرائيلية، لطالما قُدِّمت المواجهة مع إيران وفق معادلة صارمة: إما إخضاع كامل، أو تفكيك تدريجي لمراكز قوتها، أو دفعها إلى تنازلات استراتيجية تُفرغ مشروعها الإقليمي من مضمونه. لكن ما انتهى إليه المسار التفاوضي يُظهر شيئاً مختلفاً تماماً: إيران لم تُستهدف كطرف يمكن تجاوزه، بل كقوة أُعيد تنظيم العلاقة معها عبر اتفاق، لا عبر الإلغاء أو الإقصاء.
وهنا تتكشف المفارقة الأساسية.
فإذا كان العالم قد وقّع اتفاقاً مع طهران، وأفرج لها عن اثني عشر ملياراً من أموالها المجمَّدة، فهذا بحدّ ذاته إقرار بأن أدوات الضغط مهما بلغت شدتها لم تُنتج التحول الاستراتيجي الذي بُنيت عليه كل سردية المواجهة. فالتوقيع لا يتم مع طرف مهزوم، بل مع طرف بقي فاعلاً في المعادلة، وأجبر الآخرين على الانتقال من منطق "تغيير السلوك بالقوة" إلى منطق "إدارة السلوك بالتفاهم".
وفي ميزان السياسة الواقعية، هذه نقطة مفصلية.
فالسؤال لم يعد: هل رضخت إيران؟ بل:
ما الذي فشل الاستراتيجية المقابلة في تحقيقه حتى انتهت إلى توقيع اتفاق معها، والإفراج عن أموالها، دون تغيير جذري في موقعها البنيوي؟
الجواب يكمن في حقيقة واحدة: أن إيران، رغم سنوات الضغط، بقيت طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي صياغة نهائية للمنطقة، وبقي نظامها السياسي وأدواتها الاستراتيجية ضمن حدود الاشتباك لا حدود الانهيار.
ومن هنا، فإن الاتفاق الموقَّع لا يُقرأ كتتويج لنجاح الضغط، بل كترجمة لحدود هذا الضغط نفسه.
ففي السياسة، الفارق كبير بين اتفاق يُوقَّع مع طرف خاضع، واتفاق يُوقَّع مع طرف صمد وأجبر الآخرين على الاعتراف به كرقم ثابت في المعادلة ثم أخذ أمواله وعاد.
وفي الحالة الإيرانية، تتبلور ثلاث نتائج كبرى باتت وقائع لا افتراضات:
أولها، أن النظام السياسي لم يُكسر رغم تراكم الضغوط.
ثانيها، أن أدوات الردع والنفوذ لم تُنتزع بالكامل.
وثالثها، أن أي هندسة جديدة للإقليم باتت تمر اضطرارياً عبر طهران، لا حولها أو ضدها.
في المقابل، تُصر بعض القراءات الغربية والإسرائيلية على تقديم الاتفاق باعتباره "نهاية ناجحة لسياسة الضغط". لكن هذا التوصيف يتجاهل الفارق الجوهري بين أن تُفرض التسوية على طرف منهار، وبين أن تُوقَّع مع طرف فرض بقاءه على الطاولة وغادرها ومعه اثنا عشر ملياراً.
وهذا الفارق ليس لغوياً، بل استراتيجي.
فالاتفاقات في السياسة الدولية لا تُقاس فقط بما تفرضه من التزامات، بل بما تكشفه من موازين قوى. وإذا كان الاتفاق يُبقي إيران في موقع الفاعل لا المفعول به، ويُعيد إليها أموالها المجمَّدة بدل مصادرتها، فإن ذلك يعني أن الهدف البنيوي لسياسات الضغط لم يتحقق، حتى وإن انتهى المشهد إلى تسوية رسمية.
ولا يعني ذلك تجاهل الكلفة. فإيران دفعت أثماناً اقتصادية وسياسية وأمنية واضحة، لكن الخطأ التحليلي يكمن في اختزال النتائج في حجم الخسائر، بدل قياسها على مستوى الموقع الاستراتيجي النهائي.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في الاتفاق بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُروى بها. فالسردية الغربية وبعض القراءات الإسرائيلية تبدو مستعدة دائماً لإعلان "نجاح الضغط" حتى حين ينتهي الضغط إلى اتفاق مع الطرف نفسه الذي كان يُفترض أنه على وشك الانهيار، وإلى إعادة اثني عشر ملياراً إلى خزينته.
اللافت أن الرواية ذاتها التي بشّرت مراراً بقرب تراجع إيران البنيوي، تعود اليوم لتقديم التوقيع على الاتفاق باعتباره "ثمرة استراتيجية للضغط". وكأن الهدف لم يكن يوماً تغيير سلوك إيران أو تقليص دورها، بل فقط إقناعها بالعودة إلى الطاولة… مع الاحتفاظ بكل ما يجعلها طرفاً يُجلس الآخرين معه لا أمامه.
بهذا المعنى، يبدو المشهد أشبه بامتحان طويل انتهى بأن الطالب لم يُطرد من الصف، بل جلس في المقعد نفسه، وأخذ درجاته كاملة، ثم جرى الإعلان أن بقاءه في الصف هو دليل نجاح سياسة "إعادة التأهيل". الفرق الوحيد أن الامتحان استمر سنوات، وأن الممتحِنين هم من انتهى بهم الأمر إلى تصحيح أوراقهم السياسية لا العكس.
وهكذا، بينما يُقدَّم الاتفاق بوصفه تتويجاً لفاعلية الضغط، فإنه في جوهره يعكس اعترافاً متأخراً بأن معادلة الإلغاء لم تعد صالحة للتطبيق. وفي هذه المفارقة تحديداً، لا تحتاج إيران إلى إعلان انتصار؛ يكفيها أن خصومها ما زالوا يوقعون معها على ورقة واحدة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :