معيار النصر في الحروب المعاصرة

معيار النصر في الحروب المعاصرة

 

 

 

 

Icon News

الدكتورة رشا ابو حيدر

كلما اندلعت حرب جديدة، ينشغل العالم بمتابعة أرقام القتلى والجرحى وحجم الدمار والخسائر الاقتصادية، وكأن هذه الأرقام وحدها كافية لتحديد المنتصر والمهزوم. غير أن التاريخ العسكري والسياسي يعلمنا أن الحروب لا تُحسم بهذه المعايير فقط، بل بمدى نجاح الأطراف المتحاربة في تحقيق الأهداف التي خاضت الحرب من أجلها.

 

فالحرب، بحسب المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى. ومن هذا المنطلق، فإن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد الدبابات المدمرة أو الطائرات التي أُسقطت، بل بقدرة أي طرف على فرض إرادته السياسية وتحقيق أهدافه الاستراتيجية.

 

لقد قدم التاريخ نماذج عديدة تؤكد هذه الحقيقة. فالولايات المتحدة امتلكت تفوقًا عسكريًا هائلًا في حرب فيتنام، لكنها لم تحقق الهدف السياسي الذي دخلت الحرب من أجله. كما أن التدخل الأميركي في أفغانستان استمر لعقدين من الزمن قبل أن ينتهي دون تحقيق جميع الأهداف المعلنة التي بررت تلك الحرب. وفي المقابل، استطاعت قوى أقل إمكانات عسكرية أن تعتبر نفسها ناجحة لأنها منعت خصومها من فرض شروطهم أو تغيير الواقع السياسي القائم.

 

وعند إسقاط هذا المعيار على الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، يصبح من الضروري تحديد أهداف كل طرف قبل إصدار الأحكام. فإذا كان الهدف الإسرائيلي يتمثل في إزالة تهديدات أمنية معينة أو فرض معادلات جديدة في المنطقة، فإن تقييم النجاح أو الفشل يجب أن يتم بناءً على مدى تحقق هذه الأهداف، لا على حجم القوة العسكرية المستخدمة فقط. وكذلك الأمر بالنسبة لإيران، التي تسعى إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي وقدرتها على الردع وحماية مصالحها الاستراتيجية.

 

أما الولايات المتحدة، فإن أهدافها تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي وضمان أمن حلفائها ومنع حدوث تغييرات جذرية في موازين القوى. وبالتالي فإن الحكم على نجاح سياساتها لا يرتبط فقط بنتائج المعارك، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار الذي يخدم مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد.

 

وفي الحالة اللبنانية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فلبنان ليس مجرد طرف في معادلة عسكرية، بل دولة تدفع أثمانًا بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة نتيجة الصراعات التي تدور في محيطها أو على أرضها. ومن هنا فإن أي حديث عن النصر أو الهزيمة يجب أن يأخذ في الاعتبار مصلحة الدولة اللبنانية واستقرارها وقدرتها على حماية شعبها وإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.

 

كما أن الحروب الحديثة أظهرت أن النصر العسكري لا يعني بالضرورة نصرًا سياسيًا أو اقتصاديًا. فقد ينجح جيش في تحقيق أهداف ميدانية مهمة، لكنه يخرج من الحرب مثقلًا بالأعباء الاقتصادية أو معزولًا سياسيًا على الساحة الدولية. والعكس صحيح أيضًا، إذ قد يتكبد طرف ما خسائر كبيرة، لكنه ينجح في منع خصمه من تحقيق أهدافه الأساسية، فيعتبر ذلك إنجازًا استراتيجيًا من وجهة نظره.

 

لذلك فإن تقييم أي حرب يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، بعيدًا عن الانفعالات والشعارات والدعاية الإعلامية. فالمعيار الحقيقي لا يكمن في سؤال: من خسر أكثر؟ بل في سؤال: من حقق أهدافه السياسية والاستراتيجية بصورة أكبر؟

 

وفي نهاية المطاف، لا تتذكر الأمم الحروب بسبب عدد الصواريخ التي أُطلقت أو المباني التي دُمرت، بل بسبب النتائج التي تركتها على مسار التاريخ. فبعد أن تتوقف المعارك وتُطوى صفحات المواجهة، يبقى السؤال الذي يحدد معنى النصر والهزيمة: هل نجح كل طرف في الوصول إلى الغاية التي حمل السلاح من أجلها؟ عندها فقط يمكن قراءة نتائج الحروب بموضوعية، بعيدًا عن الضجيج الآني، وقريبًا من حكم التاريخ الذي لا يعترف إلا بالحقائق والنتائج.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي