
ليس سهلاً أن يصل مستثمر عربي بحجم خلف الحبتور إلى أبواب التحكيم الدولي لمقاضاة الدولة اللبنانية. فالرجل الذي ارتبط اسمه بلبنان لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن مستثمراً عابراً دخل بحثاً عن فرصة سريعة وغادر عند أول أزمة، بل كان من الذين آمنوا بهذا البلد عندما كان كثيرون يفضلون الابتعاد عنه، وضخوا فيه استثمارات بمئات ملايين الدولارات في قطاعات السياحة والعقارات والفندقة.
منذ تسعينيات القرن الماضي، رسخت مجموعة الحبتور حضورها في لبنان عبر مشاريع بارزة كان في مقدمها فندق “الحبتور غراند” في سن الفيل، الذي تحول إلى أحد أبرز المعالم الفندقية في البلاد. وعلى مدى سنوات طويلة، حافظ الحبتور على خطاب إيجابي تجاه لبنان، مؤكداً في أكثر من مناسبة إيمانه بقدرات اللبنانيين وإمكانات الاقتصاد اللبناني، حتى في ظل الحروب والاغتيالات والأزمات السياسية التي عصفت بالبلاد.
لكن لبنان الذي عرفه الحبتور لم يعد هو نفسه بعد عام 2019.
فالانهيار المالي الذي صنفه البنك الدولي بين الأسوأ عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يضرب القطاع المصرفي فقط، بل أصاب جوهر العلاقة بين الدولة والمستثمر. أموال محتجزة، تحويلات متوقفة، غياب لقانون واضح ينظم القيود المصرفية، وتأخر مزمن في وضع خطة إنقاذ فعلية. وسط هذا المشهد، وجدت مجموعة الحبتور نفسها أمام واقع تعتبره انتهاكاً لحقوقها الاستثمارية وخسائر تتجاوز، بحسب ما أعلنته، 1.7 مليار دولار.
وفي شباط 2026، أعلنت المجموعة تكليف مكتب White & Case الأميركي، أحد أبرز مكاتب المحاماة المتخصصة في نزاعات الاستثمار الدولية، لملاحقة حقوقها القانونية. وبعد أسابيع، انتقلت المواجهة إلى مرحلة أكثر حساسية مع تسجيل دعوى تحكيم ضد الجمهورية اللبنانية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي في واشنطن، استناداً إلى اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات الموقعة بين لبنان والإمارات العربية المتحدة.
في ظاهر القضية، تبدو المسألة نزاعاً مالياً بين مستثمر ودولة. لكن في جوهرها، هي قضية ثقة.
فالحبتور ليس أول من خسر أموالاً في لبنان، ولن يكون الأخير. آلاف اللبنانيين خسروا مدخراتهم، وعشرات الشركات المحلية والأجنبية دفعت أثمان الانهيار. إلا أن ما يجعل هذه القضية مختلفة هو هوية صاحبها وتداعياتها المحتملة. فحين يصل مستثمر عربي بحجم خلف الحبتور إلى قناعة بأن حقوقه لا يمكن تحصيلها داخل لبنان، وأن الطريق الوحيد المتبقي يمر عبر هيئات التحكيم الدولية، فإن الرسالة لا تتوجه إلى الدولة اللبنانية فقط، بل إلى كل مستثمر عربي أو أجنبي يفكر بالدخول إلى السوق اللبنانية.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ماذا يريد خلف الحبتور من لبنان؟
من يتابع تصريحاته خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن الرجل لا يتحدث فقط عن أموال أو تعويضات. فهو يكرر باستمرار أن لبنان لا تنقصه الكفاءات ولا الفرص ولا الإمكانات، بل تنقصه الإدارة الرشيدة والدولة القادرة على حماية القانون والاستثمار. وفي كل مواقفه تقريباً، يحرص على الفصل بين لبنان كبلد يحبه وبين السلطة التي يعتبر أنها أخفقت في حماية الاقتصاد وثقة المستثمرين.
ولذلك، فإن قضية الحبتور تتجاوز شخصه ومجموعته. فهي تطرح أسئلة صعبة على الدولة اللبنانية: كيف يمكن استعادة الثقة العربية والدولية فيما لا تزال أسباب الأزمة قائمة؟ وكيف يمكن إقناع مستثمر جديد بالمجيء إلى لبنان إذا كان مستثمر بحجم الحبتور قرر اللجوء إلى التحكيم الدولي؟ وما هي الرسالة التي تصل إلى الخارج عندما يصبح القضاء الدولي الوجهة الأخيرة لتحصيل الحقوق؟
الأخطر أن هذه الدعوى قد لا تكون الأخيرة. فهناك مستثمرون عرب وأجانب وصناديق استثمار تضررت من الانهيار المالي وتراقب عن كثب مسار القضية ونتائجها. وأي تقدم يحققه الحبتور في هذا الملف قد يشجع آخرين على سلوك الطريق نفسه، ما يضع الدولة اللبنانية أمام موجة جديدة من النزاعات الدولية في وقت تعاني فيه أصلاً من أزمات مالية واقتصادية غير مسبوقة.
المفارقة أن خلف الحبتور لم يكن يوماً من خصوم لبنان. بل على العكس، كان من الذين راهنوا عليه عندما تراجع آخرون، واستثمروا فيه عندما كانت المخاطر مرتفعة. ولذلك فإن مشكلته اليوم لا تبدو مع لبنان نفسه، بل مع دولة يعتبر أنها لم تحافظ على الثقة التي منحها إياها لعقود.
قد يربح الحبتور دعواه وقد يخسرها، وقد تتمكن الدولة اللبنانية من الدفاع عن نفسها أو التوصل إلى تسوية في مرحلة لاحقة. لكن حكماً واحداً صدر بالفعل ولا يحتاج إلى هيئة تحكيم لإعلانه: مستثمر عربي بحجم خلف الحبتور فقد ثقته بالدولة اللبنانية.
وهنا تكمن خطورة القضية الحقيقية. فالمسألة لم تعد تتعلق بمليار أو مليارين من الدولارات، بل بصورة لبنان الاقتصادية ومستقبله الاستثماري. لأن الدولة التي تخسر ثقة مستثمر أحبها واستثمر فيها لأكثر من ثلاثين عاماً، ستكون مطالبة أولاً باستعادة هذه الثقة قبل أن تطلب من مستثمرين جدد أن يضعوا أموالهم بين يديها.
وليد خوري
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :