ليليان عبد الخالق - باحثة في العلوم السياسية
في الشرق الأوسط، لا تُقاس التحولات الكبرى بما يُعلن في البيانات الرسمية، بل بما يتبدّل في ميزان الردع، وما يتسرّب من غرف التفاوض قبل أن يكتمل الشكل النهائي لأي اتفاق. وبين إعلان إلغاء ضربة عسكرية كان يُتداول أنها وشيكة، وحديث عن مسودة تفاهم مع إيران، تبدو المنطقة أمام لحظة سياسية دقيقة تعيد طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة.
لكن هذه اللحظة لا تتعلق فقط بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، بل بكيفية فهم إدارة دونالد ترامب نفسها لمفهوم التفاوض: هل هو مسار لبناء الاستقرار، أم أداة لإعادة هندسة موازين القوة عبر إدارة متقلبة بين التصعيد والتهدئة؟
من هنا، لا تبدو المقارنة مع اتفاق 2015 الذي وقّعه باراك أوباما ترفاً تحليلياً، بل ضرورة لفهم التحول في الفلسفة السياسية بين مرحلتين.
اتفاق أوباما كان اتفاقاً نووياً تقنياً بامتياز. انحصر هدفه في ضبط البرنامج النووي الإيراني عبر قيود دقيقة على التخصيب، وأجهزة الطرد المركزي، وآليات التفتيش الدولية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات. وقد بُني على فرضية واضحة: إمكانية عزل الملف النووي عن بقية الملفات الإقليمية، والتعامل معه كأزمة تقنية قابلة للاحتواء ضمن إطار دولي متعدد الأطراف.
أما في المقاربة التي تُنسب إلى إدارة ترامب اليوم، فالمشهد أكثر اتساعاً وتعقيداً. فالملف النووي، وفق ما يُتداول، لم يعد محور التفاوض الوحيد، بل جزءاً من حزمة أوسع تمتد إلى أمن الملاحة في الخليج، ومضيق هرمز، وإدارة الأصول الإيرانية المجمدة، وترتيبات إقليمية تشارك فيها قوى عربية وإقليمية متعددة.
هذا الانتقال من “اتفاق نووي” إلى “ترتيب إقليمي” لا يعكس مجرد توسّع في جدول التفاوض، بل تحولاً في تعريف المشكلة نفسها: من احتواء برنامج نووي إلى إعادة ضبط موقع دولة داخل نظام إقليمي بأكمله.
لكن الفارق الأعمق لا يكمن في البنود، بل في طريقة إدارة السياسة.
فأوباما اعتمد مقاربة دبلوماسية مؤسساتية تقوم على التعددية الدولية وبناء توافقات قابلة للتنفيذ عبر أدوات القانون الدولي. أما ترامب، فيتحرك وفق منطق مختلف: منطق القوة المسبقة، حيث يُرفع سقف التهديد العسكري إلى أقصاه، ثم يُعاد تقديم التراجع عنه كإنجاز تفاوضي بحد ذاته.
في هذا السياق، لا يبدو إعلان إلغاء الضربة العسكرية مجرد خطوة تهدئة، بل جزءاً من إدارة تصعيد محسوب، تُستخدم فيه القوة كأداة ضغط تفاوضي، لا كخيار منفصل عن السياسة.
هذا النمط يعيد تعريف وظيفة الدبلوماسية نفسها. فبدلاً من أن تكون وسيلة لتفادي الحرب، تصبح امتداداً لها بأدوات مختلفة: تهديد، ثم تراجع، ثم إعلان “اختراق سياسي” يُبنى على كليهما.
لكن هذه المعادلة تحمل إشكالاً بنيوياً: فهي تُضعف عنصر الثبات في السياسة الخارجية الأميركية، وتحوّل القرارات الكبرى إلى رهينة إيقاع سياسي شخصي، أكثر منه نتاج مؤسسات مستقرة.
في المقابل، لا يمكن قراءة أي تفاهم محتمل مع إيران خارج السياق الإقليمي الأوسع. فملفات الخليج، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، والعلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى، باتت جزءاً لا يتجزأ من أي مسار تفاوضي.
كما أن دخول أطراف إقليمية متعددة على خط النقاش يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تسوية مع إيران لم تعد ثنائية الطابع، بل أصبحت مرتبطة ببنية النظام الإقليمي نفسه، وبالتوازنات التي تحكمه من الخليج إلى شرق المتوسط.
وهنا، يصبح الفرق بين اتفاق 2015 وأي اتفاق محتمل اليوم فرقاً في البنية لا في التفاصيل.
فالأول سعى إلى إدارة أزمة نووية ضمن حدود واضحة. أما الثاني، في حال اكتماله، فيقترب من محاولة إعادة صياغة قواعد التوازن الإقليمي نفسه، بما يتجاوز الملف النووي إلى هندسة أوسع لمفهوم الأمن والاستقرار في المنطقة.
غير أن هذه التحولات لا تلغي التحدي الأساسي الذي يواجه أي مسار تفاوضي: أزمة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران.
فالتجربة السابقة، بما فيها انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ثم العودة إلى منطق العقوبات القصوى، جعلت أي التزام جديد عرضة للشك منذ لحظة ولادته. وهذه ليست مسألة تقنية، بل مسألة تتعلق بمصداقية الالتزام السياسي على المدى الطويل.
إلى جانب ذلك، فإن البيئة الإقليمية المتوترة تجعل أي تفاهم، مهما كانت هندسته، عرضة للاهتزاز أمام تطورات ميدانية وسياسية متسارعة في أكثر من ساحة.
ومع ذلك، فإن ما يجري، حتى في حال عدم اكتماله، يكشف تحوّلاً مهماً: تراجع منطق الحسم العسكري المباشر لصالح إدارة الأزمات عبر تفاوض متقطع، حتى لو كان مشحوناً بالتصعيد.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة استقراراً أكبر. فحين يصبح التهديد جزءاً من التفاوض، والتراجع جزءاً من الرسائل السياسية، يصبح المشهد أكثر تعقيداً، لا أكثر وضوحاً.
في نهاية المطاف، لا يبدو الشرق الأوسط اليوم أمام اتفاق نهائي بقدر ما هو أمام إعادة اختبار لمعادلات القوة والردع والتفاوض في آن واحد. وما بين الضربة التي لم تقع، والصفقة التي لم تُنجز بعد، تبقى المنطقة في حالة انتظار لنتيجة لم تُحسم بعد.
ففي هذه الجغرافيا تحديداً، لا تُقاس التحولات بالاتفاقات التي تُعلن، بل بتلك التي تتشكل بصمت قبل أن تأخذ اسمها النهائي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :