لم تعد المظاهرات المناهضة لإسرائيل حدثاً استثنائياً أو مرتبطاً بظرف طارئ. فما تشهده عواصم العالم اليوم يوحي بأن موجة الاعتراض الشعبي تحولت إلى ظاهرة سياسية واجتماعية عابرة للقارات، تمتد من أوروبا إلى الأميركيتين، ومن الجامعات إلى البرلمانات، ومن الشوارع إلى مراكز القرار.
خلال الأيام والأسابيع الماضية، شهدت مدن وعواصم عدة تحركات واسعة رفضاً للحرب وللسياسات الإسرائيلية، فيما اتخذت الاحتجاجات أشكالاً متنوعة تراوحت بين التظاهرات الحاشدة والاعتصامات الطلابية وإغلاق الطرقات والاحتجاج أمام السفارات والمنشآت المرتبطة بالشركات العسكرية الإسرائيلية.
ربما كانت صربيا واحدة من أكثر المحطات إثارة للاهتمام.
ففي العاصمة بلغراد، تحولت مراسم افتتاح مصنع تابع لشركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية إلى ساحة مواجهة بين الشرطة ومتظاهرين رفضوا إقامة المشروع، معتبرين أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية مرتبطة بالحروب الدائرة في المنطقة.
وأظهرت المشاهد المتداولة محتجين يلقون بأنفسهم أمام مداخل المنشأة ويعلنون رفضهم فض الاعتصام قبل إغلاق المصنع، في خطوة عكست حجم الغضب المتنامي حتى في دول لم تكن تقليدياً في صدارة المشهد الاحتجاجي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
في عدد من العواصم الأوروبية، لا تزال التظاهرات تتكرر بصورة شبه أسبوعية.
في لندن وباريس ومدريد وبرلين وروما وأمستردام، خرج عشرات الآلاف في مناسبات مختلفة للمطالبة بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فيما تحولت بعض الجامعات الأوروبية إلى مراكز دائمة للاعتصامات والنشاطات التضامنية.
واللافت أن الضغط الشعبي لم يعد محصوراً بالشارع، بل بدأ ينعكس على الحياة السياسية، حيث اضطرت حكومات أوروبية إلى إعادة النظر في بعض سياساتها واتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه عنف المستوطنين والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
أما في الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، فقد برزت مؤشرات لافتة على تبدل المزاج العام، خصوصاً داخل الجامعات والأوساط الشبابية.
فمن نيويورك إلى كاليفورنيا، شهدت الجامعات الأميركية موجات احتجاج واعتصامات غير مسبوقة، رفعت شعارات تطالب بوقف الدعم العسكري لإسرائيل ومراجعة السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات قد لا تظهر نتائجها السياسية فوراً، لكنها تعكس تغيراً تدريجياً في نظرة شريحة واسعة من الأميركيين إلى الصراع الدائر في المنطقة.
في أوتاوا وتورونتو وسيدني وملبورن، تكررت المشاهد ذاتها.
تجمعات شعبية، مسيرات حاشدة، وفعاليات تضامنية تؤكد أن القضية لم تعد محصورة بجغرافيا الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءاً من نقاش عالمي أوسع يتعلق بحقوق الإنسان والحروب والعدالة الدولية.
وفي موازاة التظاهرات العالمية، تشهد إسرائيل نفسها موجات احتجاج متواصلة ضد حكومة بنيامين نتنياهو.
فبين عائلات الأسرى والمعارضة السياسية والاحتجاجات المرتبطة بقانون التجنيد وأزمة الحريديم، تبدو الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام واحدة من أكثر مراحلها انقساماً منذ سنوات.
وهو ما يضيف بُعداً جديداً إلى الضغوط الخارجية التي تواجهها تل أبيب.
قد لا تغيّر التظاهرات وحدها موازين القوى على الأرض، لكن التاريخ يُظهر أن التحولات الكبرى تبدأ غالباً من الشارع.
فما يجري اليوم في عشرات العواصم لا يقتصر على التعبير عن الغضب أو التضامن، بل يعكس تحوّلاً أعمق في الرأي العام العالمي، حيث باتت الرواية الإسرائيلية تواجه تحديات متزايدة لم تعهدها بهذا الحجم من قبل.
من بلغراد إلى لندن، ومن باريس إلى واشنطن، ومن الجامعات إلى البرلمانات، تبدو صورة واحدة آخذة في التكرار: اتساع رقعة الاعتراض الشعبي على السياسات الإسرائيلية.
ورغم اختلاف اللغات والثقافات والبلدان، فإن الرسالة التي يرفعها المحتجون تكاد تكون واحدة: العالم يتغير، والشارع العالمي لم يعد يتعامل مع ما يجري في المنطقة بالطريقة نفسها التي كان يتعامل بها في السابق.
ICON NEWS
الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :