افتتاحية الصباح | العالم يتغيّر... فهل يقرأ لبنان المشهد الجديد؟

 افتتاحية الصباح | العالم يتغيّر... فهل يقرأ لبنان المشهد الجديد؟

 

 

 

 

ICON NEWS

في زمن التحولات الكبرى، تصبح القراءة الخاطئة للأحداث أكثر خطورة من الحدث نفسه. فالشرق الأوسط الذي نعرفه منذ عقود يتغير بسرعة، والعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد كما كان، فيما تبدو المنطقة بأسرها أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية.

في لبنان، لا يزال المشهد عالقاً بين واقعين متناقضين. فمن جهة، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، وتسقط دماء جديدة رغم كل الحديث عن ترتيبات أمنية ووقف لإطلاق النار. ومن جهة أخرى، تستمر الانقسامات السياسية الداخلية حول كيفية مواجهة هذه المرحلة، فيما يرزح اللبنانيون تحت أعباء اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.

لكن ما يثير الانتباه أكثر من أي وقت مضى هو الفجوة المتزايدة بين الخطاب السياسي المحلي وبين ما يجري فعلياً في الكواليس الدولية والإقليمية.

فالكلام اللافت الذي صدر عن السفير الأميركي بشأن إيران لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل جاء ليعكس حقيقة يدركها صناع القرار في العالم منذ سنوات: إيران ما زالت لاعباً أساسياً في معادلات المنطقة، وأن أي مقاربة جدية لملفات الأمن والحروب والتسويات لا يمكن أن تتجاوز دورها أو تتعامل معها وكأنها خارج المشهد.

وإلى جانب هذه التصريحات، تتزايد في الأروقة السياسية والإعلامية الأحاديث عن وجود قنوات تواصل أميركية غير مباشرة مع حزب الله عبر وسطاء إقليميين ودوليين، في وقت تتحدث فيه مصادر متعددة عن اتصالات ورسائل متبادلة في أكثر من ملف مرتبط بالتهدئة والاستقرار الإقليمي.

قد يختلف المراقبون حول حجم هذه الاتصالات وطبيعتها، لكن الثابت أن الدول الكبرى لا تدير الصراعات بالشعارات، بل بالمصالح وموازين القوى. وحين يتعلق الأمر بالحرب والسلم، فإن البراغماتية تصبح اللغة الوحيدة القادرة على فتح الأبواب المغلقة.

وهنا تبرز المفارقة اللبنانية الكبرى.

فبعض القوى التي أمضت سنوات تتحدث عن عزل إيران وإنهاء دورها وإقصاء القوى الفاعلة في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف تماماً. فواشنطن نفسها تتحدث عن دور إيراني لا يمكن تجاوزه، والعواصم الغربية تبحث عن صيغ للتفاهم وإدارة الأزمات، فيما يواصل البعض في الداخل اللبناني خوض معارك سياسية وكأن العالم لم يتغير.

أما عربياً، فتشهد المنطقة سباقاً واسعاً لإعادة التموضع. فالسعودية تواصل تثبيت حضورها السياسي والاقتصادي في أكثر من ساحة، بينما تتحول سوريا تدريجياً إلى نقطة تقاطع للمصالح العربية والإقليمية والدولية. وفي الخليج، تبدو الأولوية واضحة: الاستقرار أولاً، والاقتصاد ثانياً، وتجنب الحروب الكبرى مهما كانت الخلافات.

وفي المقابل، ما زالت غزة تمثل جرحاً مفتوحاً في الوعي العربي والعالمي. فالحرب التي دخلت مراحلها الطويلة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار أخلاقي وسياسي للمجتمع الدولي بأسره. وبينما تستمر المآسي الإنسانية، تتزايد الضغوط على الحكومات الغربية التي تجد نفسها أمام رأي عام عالمي أكثر تشككاً في الرواية الإسرائيلية وأكثر تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني.

إقليمياً، تبدو إيران أكثر حضوراً مما يعتقد خصومها. فبعد سنوات من العقوبات والضغوط، أثبتت الأحداث أن النفوذ لا يقاس فقط بالاقتصاد، بل أيضاً بالقدرة على التأثير في الملفات الاستراتيجية الكبرى. ولذلك لم يعد السؤال في العواصم الكبرى كيف يتم تجاوز إيران، بل كيف يمكن إدارة العلاقة معها ومنع الانفجار الكبير في المنطقة.

أما دولياً، فإن العالم يشهد تحولات تاريخية قد لا تقل أهمية عن تلك التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. فالصين تواصل صعودها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، وروسيا تثبت حضورها في معادلات القوة الدولية، فيما تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة للحفاظ على موقعها التقليدي كقوة مهيمنة وحيدة.

لم تعد القرارات الدولية تُصنع في عاصمة واحدة، ولم يعد العالم أحادي القطب كما كان. بل إننا نشهد ولادة نظام دولي جديد تتوزع فيه مراكز النفوذ بين واشنطن وبكين وموسكو وقوى إقليمية صاعدة تسعى إلى فرض دورها ومصالحها.

وفي قلب كل هذه التحولات يقف لبنان، البلد الصغير بحجمه والكبير بموقعه الجغرافي والسياسي. بلد يدفع ثمن صراعات المنطقة حيناً، ويستفيد من تسوياتها حيناً آخر، لكنه يبقى مطالباً اليوم أكثر من أي وقت مضى بقراءة المشهد كما هو، لا كما يريده هذا الفريق أو ذاك.

## زاوية الأسرار

التاريخ يعلمنا أن الدول لا تتصرف وفق العواطف، بل وفق المصالح. والأطراف التي تتواجه في العلن قد تلتقي في السر، والخصومات التي تبدو أبدية قد تتحول فجأة إلى تفاهمات إذا اقتضت الضرورة.

لذلك، فإن الضجيج السياسي الذي يملأ الشاشات ليس دائماً المؤشر الحقيقي إلى اتجاه الرياح. فخلف الكواليس تُرسم خرائط جديدة، وتُفتح قنوات جديدة، وتُبنى تفاهمات قد لا تظهر نتائجها إلا بعد أشهر.

أما الحقيقة الأهم، فهي أن العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، وأن من يصرّ على قراءة المستقبل بأدوات الماضي قد يجد نفسه خارج المعادلة، فيما تتحرك الأمم والدول نحو مرحلة جديدة لا مكان فيها للأوهام السياسية.

**ICON NEWS**
**الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات**

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي