جعجعة من دون طحين... والهدنة التي لم تولد بعد

 جعجعة من دون طحين... والهدنة التي لم تولد بعد

 

 

 

 

ايكون نيوز

في السياسة كما في الحروب، ليست كل الابتسامات الدبلوماسية مؤشراً إلى السلام، وليست كل البيانات المشتركة إعلاناً لنهاية الأزمات. فبينما تتكاثر التصريحات المتفائلة حول وقف إطلاق النار في لبنان، يبقى الواقع الميداني أكثر صراحة من البيانات، وأكثر صدقاً من الخطابات.

حتى الآن، لا يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة الاستقرار الحقيقي، بل مرحلة إدارة التوتر. فالغارات لم تختفِ تماماً، والتحركات العسكرية لم تتوقف، والحدود الجنوبية ما زالت تعيش على إيقاع الاحتمالات المفتوحة. أما الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة ومناطق تجريبية ومفاوضات متواصلة، فلا يزال يحتاج إلى اختبار الميدان قبل أن يتحول إلى حقيقة سياسية.

لبنانياً، تبدو البلاد عالقة بين رغبتين متناقضتين: رغبة الناس في الخروج من دوامة الحرب والخسائر، ورغبة القوى الخارجية في استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضمن حسابات إقليمية أكبر. وبين الرغبتين، يقف اللبنانيون أمام سؤال واحد: هل نحن أمام وقف نار فعلي أم مجرد هدنة مؤقتة بانتظار الجولة التالية؟

عربياً، تنشغل العواصم الكبرى بمحاولة منع توسع دائرة النار. فالجميع يدرك أن أي انهيار للتهدئة في لبنان لن يبقى محصوراً داخل حدوده، بل سيمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية والاقتصادات الإقليمية الهشة أصلاً. لذلك تبدو الجهود الدبلوماسية الحالية أقرب إلى محاولة شراء الوقت منها إلى صناعة السلام.

إقليمياً، ما زالت الملفات مترابطة رغم كل محاولات الفصل بينها. فلبنان ليس جزيرة معزولة عن تطورات المنطقة، كما أن غزة ليست منفصلة عن جنوب لبنان، ولا المفاوضات النووية بعيدة عن الحسابات العسكرية والأمنية. ولهذا السبب تبدو بعض محاولات تقديم المشهد وكأن كل ملف يسير وحده أقرب إلى التمنيات منها إلى الوقائع.

أما دولياً، فالعالم يعيش مرحلة انتقالية دقيقة. الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت نفوذها وإدارة الأزمات بأقل كلفة ممكنة، فيما تواصل الصين وروسيا تعزيز حضورهما على المسرح الدولي. وفي الخلفية، يراقب الاقتصاد العالمي بحذر شديد مصير مضيق هرمز وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، لأن أي اهتزاز جديد قد ينعكس مباشرة على أسعار النفط والتضخم والاستقرار الاقتصادي العالمي.

وسط كل ذلك، يبدو المشهد الحالي أشبه بكثير من الضجيج السياسي وقليل من النتائج الملموسة. بيانات، اجتماعات، تسريبات، ووعود... لكن الوقائع على الأرض لم تتغير بالقدر الذي يسمح بالحديث عن تحول استراتيجي حقيقي.

لذلك، قد يكون الوصف الأدق للمرحلة الراهنة هو: **جعجعة كثيرة... وطحين قليل.**

 

في الكواليس، لا أحد يتصرف وكأن الحرب انتهت. الجيوش تستعد، والأجهزة الأمنية تراقب، والوسطاء يواصلون العمل لساعات طويلة خلف الأبواب المغلقة. وحدهم المواطنون يحاولون تصديق أن الهدوء الحالي قد يكون بداية نهاية الأزمة. لكن بين الأمل والواقع، ما زالت المنطقة تسير فوق حبل رفيع، وأي خطوة خاطئة قد تعيد الجميع إلى نقطة الصفر.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي