ايكون نيوز
تتجه أنظار أسواق الطاقة العالمية في الأسابيع المقبلة إلى نقطة جغرافية صغيرة لكنها شديدة التأثير: مضيق هرمز. فهذا الممر البحري الضيق لا يمثل مجرد طريق تجاري عادي، بل يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات عبرته في عام 2025، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً. كما تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات هرمز في 2024 والربع الأول من 2025 شكلت أكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية ونحو خُمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية.
خطورة المشهد لا تأتي فقط من حجم النفط الذي يمر عبر المضيق، بل من محدودية البدائل. فالسعودية والإمارات تملكان خطوط أنابيب قادرة على تجاوز هرمز جزئياً، لكن القدرة المتاحة لا تكفي لتعويض كامل التدفقات المعتادة. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، تتراوح الطاقة الممكنة لإعادة توجيه الصادرات عبر مسارات بديلة بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً، بينما تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة الفعلية غير المستخدمة بنحو 2.6 مليون برميل يومياً فقط. وهذا يعني أن أي تعطّل طويل في المضيق يخلق فجوة يصعب سدها بسرعة.
لماذا نهاية حزيران مهمة؟
بحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر أيار 2026، تسببت اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز في سحب سريع من المخزونات العالمية. فقد انخفضت المخزونات النفطية المرصودة عالمياً بنحو 129 مليون برميل في آذار، ثم بنحو 117 مليون برميل إضافية في نيسان. كما أشارت الوكالة إلى أن المخزونات العالمية، بما فيها النفط العائم، تراجعت بنحو 250 مليون برميل خلال آذار ونيسان، أي بمعدل يقارب 4 ملايين برميل يومياً.
هذه الأرقام تفسر لماذا ينظر المتعاملون إلى نهاية حزيران كبوابة حساسة. فالمخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية تستطيع تهدئة الأسواق مؤقتاً، لكنها لا تستطيع تعويض نقص مستمر في الإمدادات لفترة طويلة. وكلما طال التعطل، تقل قدرة السوق على امتصاص الصدمة، وتتحول الأزمة من ارتفاع أسعار إلى خطر نقص فعلي في بعض الخامات أو المنتجات المكررة.
إدارة معلومات الطاقة الأميركية افترضت في تقريرها لشهر أيار أن حركة الملاحة عبر هرمز تبدأ بالتحسن تدريجياً في حزيران، وأن عودة الإنتاج المتوقف ستخفف من سحب المخزونات لاحقاً. لكن هذا السيناريو يبقى مشروطاً بتحسن فعلي في حركة الشحن. أما إذا تأخرت العودة أو بقيت المخاطر الأمنية واللوجستية مرتفعة، فقد تصبح نهاية حزيران لحظة اختبار حقيقية للأسواق.
التحذير من نفاد “وسادة الأمان”
في هذا السياق، جاءت تصريحات نائب رئيس «إكسون موبيل» نيل تشابمان لتزيد القلق في السوق. فقد نقلت تقارير مالية عن تشابمان تحذيره من أن المخزونات تقترب من مستويات شديدة الانخفاض، وأن السوق قد تشهد قفزات حادة في الأسعار إذا وصلت المخزونات إلى حدودها التشغيلية الدنيا خلال أسابيع قليلة. ووفق تقرير TheStreet نقلاً عن CNBC، أشار تشابمان إلى احتمال صعود خام برنت الفعلي إلى نطاق 150-160 دولاراً للبرميل إذا نفدت قدرة المخزونات على امتصاص الصدمة.
هذا لا يعني أن الأسعار ستصل حتماً إلى تلك المستويات، لكنه يعكس ما يقلق التجار: السوق لا تسعّر النفط الورقي فقط، بل تسعّر توافر البراميل الفعلية في الوقت والمكان المناسبين. وعندما تبدأ المصافي وشركات الشحن والمشترون الآسيويون في المنافسة على شحنات محدودة، قد تتحرك الأسعار الفورية بسرعة أكبر من العقود الآجلة.
التأثير يتجاوز النفط
تداعيات الأزمة لا تقتصر على البنزين والديزل. فمضيق هرمز مهم أيضاً لتجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً صادرات قطر والإمارات. وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن إغلاقاً واسعاً للمضيق قد يعرقل ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. وهذا يفتح الباب أمام ضغوط إضافية على أسعار الكهرباء والصناعة والأسمدة، خصوصاً في آسيا وأوروبا.
كما أن ارتفاع أسعار الديزل ينعكس مباشرة على النقل البري والبحري وسلاسل الإمداد. وفي حال ارتفعت تكاليف الشحن والطاقة معاً، قد يعود التضخم العالمي للارتفاع، خصوصاً في السلع الغذائية والمواد البلاستيكية والبتروكيماويات.
خلف الشاشات اللامعة في غرف التداول، لا يراقب كبار المستثمرين سعر برنت فقط، بل يراقبون ثلاثة مؤشرات أكثر حساسية: عدد الناقلات العابرة من هرمز، سرعة سحب المخزونات، وحجم الإفراجات الجديدة من الاحتياطيات الاستراتيجية. حتى الآن، منحت المخزونات العالم بعض الوقت. لكن الوقت ليس نفطاً. وإذا وصلنا إلى نهاية حزيران من دون عودة مستقرة للتدفقات، فقد تنتقل السوق من مرحلة “إدارة القلق” إلى مرحلة “تسعير الخوف”.
السؤال لم يعد فقط: إلى أي مستوى سيصل سعر البرميل؟ بل: هل تملك السوق ما يكفي من البراميل الفعلية لتجنب أزمة أوسع في الوقود والنقل والتضخم؟ تموز قد يكون شهر الانفراج إذا عادت الملاحة تدريجياً، وقد يكون شهر الاختبار الأصعب إذا بقي مضيق هرمز تحت الضغط.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :