إنّهم يحذفون كارل ماركس من مدارس إيطاليا!
تعديلات اليمين على المناهج تُشعل معركة الهيمنة الثقافية أحدث إلغاء ماركس وسبينوزا وغرامشي من المناهج الإيطالية غضباً أكاديمياً عارماً. اعتبره أساتذة الفلسفة والسياسة هجوماً سافراً يستهدف تفكيك الفكر النقدي وتوجيه وعي الأجيال نحو سردية قومية محافظة
تحوّلت المناهج الدراسية في إيطاليا إلى ساحة مواجهة أيديولوجية مفتوحة، على إثر صدور «الخطوط التوجيهية الوطنية للمدارس الثانوية» التي أقرّها وزير التعليم، جوزيبي فالديتارا. وأحدثت التعديلات المُعتمدة هزّة عميقة في الأوساط الأكاديمية والسياسية، بعدما استُبعدت أسماء وازنة صاغت الفكر الإنساني الحديث ليتم استبدالها بأعمال تركّز على الفكر القومي والمحافظ.
وأثار غياب فلاسفة بحجم كارل ماركس، وباروخ سبينوزا، وسورين كيركغور، وأرتور شوبنهاور عن قائمة التدريس المقترحة، موجة احتجاجات واسعة قبل أن تصدر عريضة إلكترونية جمعت آلاف التوقيعات نظّمها ستون أستاذاً جامعياً ومفكّراً وأديباً، من بينهم رئيس بلدية البندقية السابق وعميد كلية الفلسفة في جامعتها ماسيمو كاتشياري. واعتبر الموقّعون في خطوة فالديتارا محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي لجيل المستقبل في إيطاليا، وتفريغ التعليم من أبعاده النقدية السجالية.
الخطوط العريضة الجديدة، التي تمتد لتشمل المدارس الثانوية الكلاسيكية والعلمية، حذفت كليّةً كارل ماركس، العقل الأساسي وراء نظريات علم الاجتماع والاقتصاد السياسي في القرنين التاسع والعشرين. كما غُيّب سبينوزا، الذي يمثّل حجر الزاوية في عقلانية التنوير والعلمانية الحديثة. وامتدّت يد فالديتارا كذلك إلى أعمال أكبر مفكر إيطالي في القرن العشرين، إذ استُبعدت كتابات أنطونيو غرامشي، مؤسّس الحزب الشيوعي الإيطالي، وصاحب نظرية «الهيمنة الثقافية».
في المقابل، أعادت المقترحات الوزارية الاعتبار للفلسفة المثالية الإيطالية في القرن التاسع عشر، وخصّت بالذكر الثنائي بينيديتو كروتشي وجوفاني جينتيلي. ويمثّل جينتيلي تحديداً نقطة استقطاب حادّة؛ فالرجل كان وزيراً للتعليم في حكومة بينيتو موسوليني، وشارك في صياغة «عقيدة الفاشية» عام 1932، كما أنه المهندس الأول لنظام المدارس الثانوية الكلاسيكية عام 1923، وهي المدارس التي كانت تهدف وقتها إلى إعداد النخبة الحاكمة عبر دراسة الإنسانيات.
ودافعت اللجنة الوزارية المكلّفة بوضع المناهج، وعلى رأسها لوريدانا بيرلا، عن هذه التوجهات بوصفها نتاج «استشارة ديمقراطية» قابلة للتعديل. وأكّدت الوزارة أن الدستور الإيطالي يكفل حرية التدريس، وأن القوائم المذكورة تظل استرشادية، ما يمنح المعلّمين الحق في اختيار النصوص. لكنّ الأكاديميين المعترضين أوضحوا أن دور النشر التي تطبع الكتب المدرسية تلتزم بهذه الخطوط التوجيهية حرفياً، ما يضع ضغوطاً إدارية وتربوية غير مباشرة على الأساتذة داخل الفصول.
التعديلات امتدّت لتشمل منهاج مقاربة التاريخ، حيث يرى نقّاد الحكومة فيها محاولة لتفكيك لمنهجيات البحث التاريخي الحديث لصالح رؤية تركّز على التاريخ السياسي والعسكري، مع تهميش التاريخ الاجتماعي، وحركات العمال، وتاريخ التحرر النسوي. وتُظهِر المناهج الجديدة نزوعاً نحو تفسير أحداث القرن العشرين بطريقة تتوافق مع السردية السياسية للحزب الحاكم «إخوة إيطاليا»، الذي تقوده رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وتشير القراءة الجديدة للأحداث مثلاً إلى الثورة الروسية بوصفها «انقلاب نوفمبر 1917»، بينما توصف أحداث «المسيرة إلى روما» وصعود موسوليني بأنها نتاج «المهارة التكتيكية» والتحالف البرلماني، مع التقليل من شأن العنف السياسي الذي مارسته المجموعات الفاشية (القمصان السوداء). وتصنّف ليلة الثامن من أيلول (سبتمبر) 1943 (تاريخ استسلام إيطاليا للحلفاء) كـ «موت للوطن». سردية تبنّتها أدبيات اليمين القومي طويلاً لتصوير إيطاليا في ثوب الضحية، متجاوزة مسؤولية الفاشية عن مجازر الحرب.
وأثار المنهاج الجديد أيضاً انتقادات تتعلق بما وصف بـ «المركزية الأوروبية الضيقة» و«العنصرية الثقافية »، نظراً إلى تأكيده الصريح على التفوّق الحضاري للغرب، واقتصاره دراسة التاريخ على الفضاء الإيطالي والأوروبي، بدعوى أن هذه الحضارة منحت العالم أشكال الدولة الحديثة وأسس البحث العلمي وحقوق الإنسان.
ونقلت الصحف الإيطالية عن أساتذة جامعيين قولهم، إنّ «الدافع وراء هذه التعديلات سياسي بامتياز».
وتسعى حكومة جورجيا ميلوني، منذ وصولها إلى السلطة، إلى مواجهة ما تسميه «الهيمنة الثقافية للفكر اليساري» على المؤسسات التعليمية والثقافية الإيطالية منذ عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويرى الأساتذة أن تطبيق هذا التوجّه يمر عبر إحلال فكر محافظ محل الفكر العقلاني والمادي والماركسي.
وقال الأساتذة إن الأمر لا يتعلق فقط بالأسماء المُستبعدة، إذ يطاول البنية المعرفية للمنهاج، بعد استبدال التسلسل التاريخي للأفكار بـمقاربة موضوعاتية مجزّأة. وأدى هذا الأسلوب إلى تقليص دراسة نقدية كانط، واختزال فلاسفة العقد الاجتماعي أمثال هوبز ولوك وروسو في خيارات مُبسّطة، وتجاهل الفلسفة الألمانية الكلاسيكية مُمثّلة في فيشته وشيلينغ. وهذا التفتيت المعرفي – وفق الأساتذة دائماً - يحرم الطلاب من تتبّع تطور الفكر السياسي الحديث وفهم آليات نشوء الدولة والديمقراطية.
وامتدّ السجال إلى مادة الأدب الإيطالي، بعد قرار ترحيل دراسة الرواية التاريخية الشهيرة «الخطيبان» لأليساندرو مانزوني من السنة الثانية إلى السنة الرابعة الثانوية، مع إشارة النص الوزاري إلى أنّ «الروايات الكلاسيكية ليست أزلية»، وأن عمل مانزوني لم يعد يعبّر عن الواقع المعاصر. وقوبل هذا التوصيف بصدمة في أوساط مدرّسي الإنسانيات، الذين يرون في العمل الأدبي الكلاسيكي نصاً عابراً للأزمنة يناقش قضايا العدالة والاضطهاد الإنساني.
وانتقد الأكاديميون التوجيهات الوزارية التي دعت الطلاب إلى قراءة أعمال شعراء النهضة أمثال أريوستو وتاسو من دون الاستعانة بـأدوات التفسير اللغوي وإعادة الصياغة، بداعي تسهيل القراءة وجعلها ممتعة. واعتبر المختصون التربويون هذا التبسيط إضعافاً للمهارات اللغوية والتحليلية لدى الطلاب، وتعميقاً للفجوة المعرفية بين التعليم الثانوي والتعليم الجامعي.
تتزامن هذه التغييرات في المنهاج الإيطالي مع محاولات لتقديم موضوعات جديدة توصف بالحديثة والمواكبة للعصر، لكنها تأتي على حساب تعميق دراسة تاريخ الفلسفة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ما يُفرِغ المادة المدروسة من محتواها الصلب مكتفياً بقشور معرفية متناثرة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي