حين تُختطف النهضة: عودوا إلى سعاده قبل أن يصير الحزب شركةً بلا روح...1..

حين تُختطف النهضة: عودوا إلى سعاده قبل أن يصير الحزب شركةً بلا روح...1..

 

 

 

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز


حين يُختطف الحزب من عقيدته: عودوا إلى سعاده قبل فوات الأوان

ليست الأزمة في أي حزب عقائدي أن يختلف أبناؤه. فالاختلاف، حين يكون صادقًا، علامة حياة. الأزمة تبدأ عندما يصبح الخلاف ستارًا لما هو أخطر: صراع نفوذ، خوف من الحقيقة، ومؤسسات تُفرّغ من معناها حتى تبقى أسماؤها قائمة فيما روحها غائبة.

في الحزب السوري القومي الاجتماعي، لم يعد السؤال المطروح عند كثيرين سؤالًا تنظيميًا عابرًا. لم يعد الأمر مرتبطًا بموقع هنا أو قرار هناك. السؤال صار أعمق وأقسى: هل ما زال الحزب يدور حول العقيدة، أم صار يدور حول الأشخاص؟ هل القرار في المؤسسات فعلًا، أم في غرف مغلقة لا ترى القواعد منها إلا النتائج؟ وهل بقيت النهضة مشروع أمة، أم تحوّلت عند بعضهم إلى سلطة داخلية، ومواقع، وحسابات، وولاءات؟

الحزب الذي أراده أنطون سعاده حركة نهضة لا يمكن أن يُختصر في اسم، ولا في منصب، ولا في مجموعة تمسك بالمفاتيح وتظن أن المؤسسة ملك خاص. الحزب ليس مزرعة سياسية. ليس شركة مصالح. ليس جهازًا يُدار بالأوامر والهمسات. هو قضية أمة، وفكر، ونظام، ومناقبية، وناس آمنوا أن الحياة وقفة عز.

لذلك، فإن أول الإصلاح ليس تغيير الوجوه فقط، بل إعادة الاعتبار إلى الفكرة. العودة إلى سعاده ليست شعارًا عاطفيًا يُرفع عند الأزمات، بل فعل محاسبة. أن نعود إلى سعاده يعني أن نسأل: أين العقيدة من سلوكنا؟ أين المؤسسة من قراراتنا؟ أين الكفاءة من اختياراتنا؟ وأين القومي الحر من حزب بدأ يخاف من الصوت الحر؟

إن أخطر ما يصيب الأحزاب العقائدية ليس هجوم الخصوم، بل موت الداخل. حين يصبح النقد تهمة، والسؤال تمرّدًا، والرأي المستقل خطرًا، تبدأ النهضة بالانسحاب من جسد الحزب. وحين يكافأ الصمت ويُحاصر أصحاب الكفاءة، لا نكون أمام خطأ إداري، بل أمام ثقافة كاملة تصنع الانهيار بهدوء.

المؤسسات التي لا تقرر ليست مؤسسات. المجلس الذي لا يحاسب ليس سلطة. العمدة التي لا تملك قرارها ليست عمودًا فقريًا للنظام، بل واجهة شكلية. والرئيس الذي لا تُحمى صلاحياته، أو لا يمارسها حيث يجب، يتحول مع الوقت إلى صورة داخل إطار، لا إلى رأس مؤسسة حية.

من حق القوميين أن يعرفوا الحقيقة. من يحكم؟ من يقرر؟ من يعطل؟ من يستفيد من إبقاء الضباب فوق المشهد؟ ليس المطلوب فضائح ولا تصفية حسابات، بل وضوح. فالخلاف المعلن، مهما كان قاسيًا، أرحم من الغموض. والأزمة المكشوفة قابلة للعلاج، أما الكذب على الرفقاء فهو بداية السقوط الأخلاقي.

لقد تعب القوميون من الاجتماعات التي لا تنتج قرارًا، ومن البيانات التي لا تعالج جرحًا، ومن لغة الوحدة التي تُقال في العلن فيما الانقسام يُدار في الخفاء. تعبوا من تحويل المؤسسات إلى ديكور، ومن تهميش الشباب والطلبة والمنفذيات، ومن مشهد كفاءات تُدفع إلى الخارج لأنها لا تعرف التصفيق، ولا تقبل الانحناء.

ولا يجوز بعد اليوم أن يُطلب من القومي أن يصمت باسم الانضباط. الانضباط لا يعني الخضوع للخطأ. والنظام لا يعني حماية العجز. والطاعة لا تكون فضيلة إذا صارت غطاءً لمصادرة القرار. القومي الاجتماعي لا يكون قوميًّا لأنه يردد، بل لأنه يفكر ويؤمن ويواجه حين تصبح المواجهة واجبًا.

وهنا لا بد من قول ما يتجنبه كثيرون: من لا يملك قراره داخل موقعه، لا يحق له أن يغطي عجزه باسم المسؤولية. المسؤولية ليست كرسيًا. المسؤولية قرار وشجاعة وقدرة على قول “لا”. ومن يبقى في موقع منزوع الصلاحية، وهو يعرف أن المؤسسة تُدار من خارجه، يتحول شاء أم أبى إلى شاهد على الانهيار. أحيانًا تكون الاستقالة أشرف من البقاء في منصب منزوع الكرامة.

أما الأخطر من أزمة القرار، فهو أن تتحول القضية إلى بازار مصالح. حين يصبح السؤال داخل الحزب: من يقبض؟ من يمول؟ من يملك علاقة بهذا الطرف أو ذاك؟ عندها لا نكون أمام خلل تنظيمي فحسب، بل أمام سقوط في المعنى. العقيدة التي تتحول إلى وسيلة تمويل تفقد قدسيتها. والمناضل الذي يُهمّش لأنه لا يدخل لعبة المصالح يصبح شاهدًا على إفلاس لا يعالج بالخطابات.

الأحزاب لا تموت عندما تخسر جولة سياسية. تموت عندما تفقد روحها. تموت عندما يصبح الموقع أهم من الفكرة، والولاء أهم من الكفاءة، والتمويل أهم من الإيمان. تموت حين يتحول الرفيق إلى تابع، والمسؤول إلى منفّذ، والمؤسسة إلى ختم، والنهضة إلى ذكرى جميلة يتغنى بها القدامى.

لكن الحزب لم يمت. وهذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها كل إصلاح. ما زالت في القوميين نار لا تنطفئ. ما زالت هناك عقول حرة، وشباب يبحثون عن معنى، ورفقاء تعبوا لكنهم لم يكفروا بالفكرة. المشكلة ليست في العقيدة، بل في الذين يضعون أنفسهم فوقها. ليست في سعاده، بل في الذين يستحضرون اسمه ولا يحتملون منطقه.

المطلوب اليوم ليس انقلابًا على الحزب، بل إنقاذه من الاختطاف. المطلوب أن يعود القرار إلى المؤسسات، وأن تعود المحاسبة إلى مكانها، وأن تُفتح الأبواب أمام الكفاءة، وأن تسقط العضويات الدائمة التي تجعل الموقع حقًا مكتسبًا بدل أن يكون ثقة متجددة. من يريد تمثيل القوميين فليذهب إليهم، وليأخذ شرعيته من إرادتهم لا من صفة جامدة.

نعم للتجديد، لأن الجمود بداية الموت. نعم للانتخابات، لأن من يخاف رأي القوميين لا يحق له أن يتحدث باسمهم. نعم لوحدة القوميين، لا كوحدة شكلية فوقية، بل كوحدة تقوم على الحقيقة والمصارحة وإعادة بناء الثقة. لا للتخوين. لا للإلغاء. لا للاستقواء. لا لتحويل الحزب إلى ساحة تصفية حسابات.

العودة إلى سعاده اليوم ليست ترفًا فكريًا. إنها ضرورة إنقاذية. فإما أن يعود الحزب إلى فكرته الأولى: مؤسسة عقائدية نهضوية تقودها الكفاءة والمناقبية والإرادة الحرة، وإما أن يبقى ينزف حتى يتحول إلى اسم كبير فوق جسم متعب.

أيها القوميون، لا تخافوا الحقيقة. فالخوف هو السجن الأول. ولا تخافوا السؤال، فالسؤال بداية النهضة. ولا تخافوا قول “لا” حين تصبح “لا” دفاعًا عن الحزب لا خروجًا عليه.

الحزب ليس ملكًا لأحد.
الحزب لمن يحمل قضيته بصدق.
والنهضة لا تموت، لكنها قد تُختطف.
وحين تُختطف، لا يعيدها إلا الذين يضعون سعاده فوق الأسماء، والعقيدة فوق المصالح، والمؤسسة فوق الأفراد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي