ايكون نيوز
عاد التوتر بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى الواجهة، بعدما اعتبر جنبلاط أنّ خصوم حزب الله باتوا بدورهم في موقع التصلّب الكامل، منتقدًا لغة التصعيد التي تحكم النقاش الداخلي في لبنان.
وفي موقف لافت، قال جنبلاط إنّ جعجع “يتصرف كأنه موسى”، في إشارة سياسية حادة إلى ما يراه الزعيم الدرزي نزعة إلى احتكار الحقيقة والقرار، في وقت يرى فيه أنّ البلاد عالقة داخل دوامة عنف سياسي ومعنوي، يتبادل فيها الخصوم الشتائم بدل البحث عن مخارج واقعية للأزمة.
كلام جنبلاط لا يمكن فصله عن مسار العلاقة المتوترة مع جعجع منذ فترة. فالرجلان اللذان التقيا سابقًا في محطات سياسية كبرى، لا سيما ضمن مناخات قوى الرابع عشر من آذار، افترقا تدريجيًا في قراءة الواقع اللبناني. جعجع حافظ على خطاب متشدد حيال سلاح حزب الله وضرورة حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وهو موقف كرره في أكثر من محطة، معتبرًا أن معالجة الحرب والتصعيد تبدأ من إنهاء السلاح الخارج عن الدولة.
أما جنبلاط، فاختار في السنوات الأخيرة موقعًا أكثر براغماتية وحذرًا، يقوم على تجنب الانفجار الداخلي، والتمييز بين الاعتراض على فائض السلاح وبين رفض دفع البلاد إلى مواجهة أهلية أو اصطفاف قاتل. لذلك يبدو أن انتقاده لجعجع لا يستهدف موقفًا واحدًا فقط، بل طريقة إدارة الصراع السياسي نفسه، حين تتحول الشعارات إلى متاريس وتغيب المساحات الوسطى.
تاريخيًا، جمعت جنبلاط وجعجع لحظات تقاطع مهمة بعد عام 2005، في مرحلة انتفاضة الاستقلال وخروج الجيش السوري من لبنان. يومها وُلدت مساحة مشتركة واسعة بين قوى متعددة، من بينها الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، تحت عنوان السيادة والاستقلال. لكن تلك الجبهة لم تبقَ متماسكة كما كانت؛ إذ تباعدت الحسابات مع تبدل موازين القوى، وتراجع وهج الرابع عشر من آذار، وتقدمت هواجس كل فريق على حساب الخطاب المشترك.
في العمق، يعكس كلام جنبلاط أزمة أوسع من خلاف شخصي مع جعجع. إنها أزمة “العقل السياسي” في لبنان، حيث لم يعد الانقسام محصورًا بين حزب الله وخصومه، بل صار داخل كل ضفة أيضًا. فهناك من يريد دفع المواجهة إلى نهايات حاسمة، وهناك من يخشى أن يدفع لبنان ثمنًا لا قدرة له على احتماله.
ومن هنا تأتي خطورة العبارة: “اختفى الصوت العقلاني”. فجنبلاط، بقراءته، يحاول القول إنّ البلد لا يُدار بمنطق الأنبياء ولا بمنطق المنتصرين، بل بمنطق التسويات الصعبة، خصوصًا في لحظة إقليمية مشتعلة وحدود مفتوحة وداخل لبناني منهك.
وبين معراب وكليمنصو، لا يبدو الخلاف تفصيلًا عابرًا. إنه عنوان مرحلة سياسية يتراجع فيها الوسط، ويتقدم فيها الخطاب العالي، فيما يبقى لبنان معلّقًا بين منطق المواجهة ومنطق النجاة.
جنبلاط لا يهاجم جعجع كشخص فقط، بل يوجه إنذارًا إلى كل الطبقة السياسية: حين يعتقد كل طرف أنه وحده يملك الحقيقة، يصبح الوطن كله بلا مخرج.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :