العالم فوق صفيح ساخن: ماذا يجري خلف الأزمات المتلاحقة؟

العالم فوق صفيح ساخن: ماذا يجري خلف الأزمات المتلاحقة؟

 

 

 

 

خاص ICONNEWS

لم يعد العالم يعيش أزمة واحدة يمكن عزلها أو قراءتها من زاوية ضيقة. ما يجري اليوم هو تداخل واسع بين الحروب، الممرات البحرية، الطاقة، العقوبات، التكنولوجيا، وصراع النفوذ بين القوى الكبرى. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ومن أوكرانيا إلى تايوان، ومن واشنطن إلى بكين وموسكو وطهران، يبدو النظام الدولي وكأنه يدخل مرحلة إعادة تشكيل قاسية، لا تعلن نفسها بحرب عالمية مباشرة، لكنها تتحرك عبر أزمات متصلة تشد بعضها بعضاً.

في قلب المشهد تقف المواجهة الأمريكية الإيرانية بوصفها واحدة من أخطر عقد اللحظة الراهنة. فالمفاوضات الجارية حول إيران لم تعد شأناً نووياً فقط، بل تحولت إلى اختبار شامل لمن يملك القدرة على ضبط الشرق الأوسط وممرات الطاقة. الحديث عن اتفاق محتمل يشمل تهدئة، وفتح مضيق هرمز، ثم الدخول في مفاوضات أعمق حول البرنامج النووي، يكشف أن واشنطن وطهران تدركان خطورة الانفجار، لكنهما لا تثقان ببعضهما بما يكفي لصناعة سلام مستقر.

مضيق هرمز هنا ليس مجرد ممر مائي. إنه شريان اقتصادي عالمي. أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وحسابات الصين وأوروبا وآسيا. ولهذا فإن أي اتفاق أمريكي إيراني لا يعني فقط وقف التصعيد بين دولتين، بل يعني أيضاً محاولة منع انتقال الأزمة من الخليج إلى الاقتصاد العالمي كله.

في الشرق الأوسط، لم تعد الدول تتحرك وفق الاصطفافات القديمة وحدها. إسرائيل تبحث عن ضمانات أمنية وتريد منع إيران من امتلاك قدرة ردع نووية أو إقليمية أكبر. دول الخليج تريد الاستقرار، لكنها لا تريد أن تكون ساحة حرب دائمة بين واشنطن وطهران. تركيا تراقب وتفاوض وتوسع هامشها. أما القوى غير الحكومية في المنطقة، فقد أصبحت جزءاً من معادلة الضغط، سواء في العراق أو اليمن أو لبنان أو البحر الأحمر.

في الخلفية الكبرى، تراقب روسيا المشهد بعين مختلفة. كل انشغال أمريكي في الشرق الأوسط يمنح موسكو مساحة أوسع للمناورة في أوكرانيا. الحرب هناك لم تعد مجرد صراع حدودي، بل اختبار طويل لقدرة الغرب على تمويل حلفائه، وقدرة روسيا على الصمود، وقدرة أوروبا على التحول من قارة تعتمد على الحماية الأمريكية إلى قوة أمنية أكثر استقلالاً.

أما الصين، فهي لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة كي تربح من الفوضى. بكين تقرأ الاضطراب العالمي كفرصة استراتيجية. كلما انشغلت واشنطن في الشرق الأوسط وأوروبا، زادت قدرة الصين على تثبيت حضورها في آسيا، وتوسيع نفوذها الاقتصادي، وبناء نظام تجاري ومالي أقل خضوعاً للهيمنة الغربية. لكنها في الوقت نفسه تخشى الفوضى الزائدة، لأن اقتصادها يحتاج إلى ممرات بحرية مفتوحة وطاقة مستقرة وأسواق لا تنهار.

هنا تظهر الحقيقة الأكبر: العالم لم يعد محكوماً بقطب واحد. الولايات المتحدة لا تزال القوة الأضخم عسكرياً ومالياً وتكنولوجياً، لكنها لم تعد قادرة على إدارة كل الملفات وحدها. روسيا تعطل، الصين تنافس، إيران تفاوض تحت الضغط، أوروبا تبحث عن دور، والهند تصعد بهدوء، بينما الجنوب العالمي يحاول الاستفادة من تعدد المراكز بدل الارتهان لمعسكر واحد.

الأخطر أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط. هناك حرب موازية تدور في الكابلات البحرية، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والعملات، والموانئ، وشركات الشحن، وشبكات الطاقة. تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2026 أشار إلى تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في عصر تنافس دولي أكثر خشونة، بينما حذرت الأونكتاد من أن التوترات الجيوسياسية أصبحت خطراً رئيسياً على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية.

بمعنى آخر، نحن أمام عالم يتغير من تحت أقدامنا. لم تعد الحرب تعني دبابات فقط، ولم يعد السلام يعني توقيع اتفاق فقط. قد يفتح مضيق بحري فيهدأ النفط، وقد تغلق جبهة صغيرة فتشتعل الأسواق. قد تتعثر مفاوضات في الدوحة أو إسلام آباد، فيتأثر سعر الوقود في آسيا، وحسابات الأمن في أوروبا، وموقف الصين من واشنطن.

ما يجري اليوم هو ولادة بطيئة ومؤلمة لنظام دولي جديد. نظام لا تزال أمريكا في قمته، لكنها لم تعد وحدها فوق المسرح. نظام تتقدم فيه القوى الإقليمية بثقة أكبر، وتصبح فيه البحار والممرات والرقائق والطاقة أدوات ضغط لا تقل أهمية عن الجيوش.

الخلاصة أن أزمة إيران وأمريكا ليست سوى واجهة لمشهد أكبر. العالم كله يعاد ترتيبه. ومن لا يقرأ ما يجري في طهران بمعزل عن موسكو وبكين وتل أبيب والرياض وهرمز والبحر الأحمر، سيفهم الخبر، لكنه لن يفهم التاريخ الذي يتحرك خلفه.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي