سدّ القرعون في دائرة الخطر

سدّ القرعون في دائرة الخطر

 

 

 

 

د.رشا ابو حيدر

ماذا يعني أن يصبح سدّ القرعون ومحيطه ضمن دائرة الاستهداف؟

الأمر لا يتعلق فقط بموقع جغرافي أو بمنشأة مائية عادية، بل ببنية حيوية ترتبط مباشرة بحياة الناس، من المياه والزراعة إلى الكهرباء والاستقرار البيئي والاجتماعي في منطقة واسعة من لبنان

في الحروب الحديثة، لم تعد المواجهات تقتصر على الجبهات العسكرية التقليدية، بل أصبحت البنى التحتية الحيوية جزءًا من ساحات الضغط والرسائل المتبادلة. لكن حين يقترب الخطر من السدود والمنشآت المائية، يصبح السؤال أكبر من السياسة والعسكر: أين يقف القانون الدولي؟ وأين تبدأ حدود حماية المدنيين؟

القانون الدولي الإنساني، وخصوصًا البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، منح السدود والمنشآت التي تحتوي “قوى خطرة” حماية خاصة بسبب الكوارث التي قد تنتج عن تضررها. فالمادة 56 من البروتوكول لا تتعامل مع هذه المنشآت كأهداف عادية، لأن أي ضرر جسيم قد يؤدي إلى إطلاق المياه أو تعطيل منشآت حيوية بما يهدد حياة المدنيين بشكل واسع.

صحيح أن القانون لا يمنع استهداف هذه المنشآت بشكل مطلق في جميع الحالات، لكنه يفرض شروطًا صارمة جدًا، أبرزها وجود استخدام عسكري مباشر وخطير، مع بقاء الالتزام بمبدأي التناسب والتمييز. أي ان أي عملية عسكرية يجب أن تفرّق بين الأهداف العسكرية والمدنية، وألا تؤدي إلى أضرار مفرطة مقارنة بالهدف العسكري المتوقع،

 ومن هنا، فإن استهداف محيط السدود يثير بطبيعته تساؤلات قانونية وأخلاقية كبيرة، لأن التداعيات لا تتوقف عند الانفجار نفسه، بل قد تمتد إلى البيئة والمياه والزراعة والصحة العامة وحتى الأمن الغذائي

 وتزداد خطورة الأمر في بلد مثل لبنان، حيث تعاني البنية التحتية أصلًا من أزمات مزمنة وانهيارات متراكمة. فأي ضرر قد يصيب منشأة حيوية كسدّ القرعون لن يكون حدثًا عابرًا، بل قد يتحول إلى أزمة طويلة الأمد تمس حياة آلاف العائلات.

كما أن القانون الدولي الحديث بدأ يوسّع النقاش حول “الأضرار البيئية أثناء النزاعات المسلحة”، بعدما أثبتت التجارب أن تدمير الموارد الطبيعية والمائية يخلّف آثارًا أخطر أحيانًا من الدمار العسكري المباشر. فالحروب تنتهي عادة باتفاقات أو تسويات، لكن الكوارث البيئية تحتاج سنوات طويلة كي تُعالج، وبعض آثارها يبقى لعقود.

ولذلك، فإن حماية المنشآت المائية لا يجب أن تُفهم كقضية تقنية أو قانونية فقط، بل كجزء من حماية حق الإنسان في الحياة والاستقرار والكرامة. فالمياه ليست تفصيلًا في زمن الحرب، بل أساس البقاء نفسه.

وفي النهاية، قد تختلف الدول في السياسة، وقد تتبدل موازين القوة والحسابات العسكرية، لكن تبقى هناك حقيقة ثابتة: حين تصبح السدود ومصادر المياه في مرمى النار، فإن الخطر لا يهدد طرفًا واحدًا فقط، بل يهدد مستقبل الناس والأرض معًا.

 “الحروب قد تُدمّر مدنًا، لكن المساس بالمياه يهدّد الحياة نفسها.”

 

 

 

 

 

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي