صرح مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديمتري بريجع بأن الدعم الروسي للبرنامج النووي الإيراني السلمي لا يمكن فهمه في إطار تقني أو قانوني ضيق فقط، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءا من تحولات أوسع يشهدها النظام الدولي وإعادة رسم موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط. فموسكو، بحسبه، لا تدافع فقط عن مشروع محطة بوشهر النووية أو عن حق إيران في تطوير الطاقة النووية للأغراض المدنية، وإنما تدافع كذلك عن مبدأ استراتيجي يقوم على رفض احتكار القوى الغربية لحق تفسير القانون الدولي وتحديد الدول التي يسمح لها بامتلاك التكنولوجيا المتقدمة.
وأوضح أن الموقف الروسي ينطلق من اعتبار إيران دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي فإن من حقها، وفق القوانين الدولية، تطوير برنامج نووي سلمي يخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي هذا السياق، أشار إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي أكد أن محطة بوشهر لم تكن مشمولة بالعقوبات الغربية، وأن التعاون الروسي الإيراني بشأنها استمر حتى خارج إطار الاتفاق النووي لعام 2015، وهو ما يعكس محاولة روسية لنقل النقاش من دائرة الاتهامات السياسية إلى إطار الشرعية القانونية الدولية.
وأضاف ديمتري بريجع أن هذا الدعم الروسي لا يقتصر على الجانب التقني، بل يحمل أبعاداً سياسية وجيوسياسية واضحة، لأنه يمنح طهران غطاءً دبلوماسياً مهماً في مواجهة الضغوط الغربية. فإيران، كما يقول، لم تعد معزولة دولياً كما كان الحال في فترات سابقة، بل باتت تستند إلى شراكات استراتيجية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، الأمر الذي يضعف قدرة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على فرض عزلة أو ضغط موحد عليها. ومن هذا المنطلق، فإن موسكو لا تمنح إيران قوة عسكرية مباشرة، لكنها تمنحها ما يمكن وصفه بـ”قوة الموقف السياسي”، وهو ما يجعل أي تسوية مستقبلية للملف النووي الإيراني مرتبطة، إلى حد بعيد، بأخذ المصالح والمواقف الروسية في الاعتبار.
وأشار بريجع إلى أن انعكاسات هذا الدعم لا تقتصر على البعد الدولي فقط، بل تمتد إلى التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فالدعم الروسي يعزز موقع إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، لكنه في المقابل يثير مخاوف خصومها الإقليميين والدوليين، لأن المسألة بالنسبة لهم لا تتعلق فقط بالطابع المدني للبرنامج النووي، وإنما بالسياق السياسي والأمني الأشمل المرتبط بالنفوذ الإيراني في عدد من ملفات المنطقة، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، إضافة إلى برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة. ولهذا، فإن أي تعاون نووي مدني مع إيران يُنظر إليه في الغرب وفي إسرائيل باعتباره جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تتجاوز مجرد إنتاج الطاقة.
وأكد ديمتري بريجع أن الإشكالية الأساسية تكمن في أزمة الثقة المستمرة بين إيران والغرب. فمن الناحية القانونية، لا يمكن حرمان دولة موقعة على معاهدة عدم الانتشار من حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي فقط لأنها خارج المعسكر الغربي، غير أن المخاوف الأمنية تبقى قائمة بسبب طبيعة العلاقة المتوترة بين طهران والعواصم الغربية. كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحدثت في تقاريرها الأخيرة عن استمرار بعض القضايا العالقة المتعلقة بالتفتيش والرقابة، فضلا عن القلق المرتبط بتخصيب إيران لليورانيوم بنسبة وصلت إلى 60 بالمائة، وهي نسبة مرتفعة تثير الكثير من التساؤلات الدولية، حتى وإن كانت لا تعني بالضرورة اتخاذ قرار بصناعة سلاح نووي.
وفيما يتعلق بالتعاون النووي المدني بين موسكو وطهران، يرى بريجع أنه قد يشكل عاملا إيجابيا إذا بقي ضمن إطار الشفافية والرقابة الدولية. فمحطة بوشهر، بحسبه، تمثل تصورا للتعاون النووي المدني المنظم، حيث تشارك روسيا في البناء والتشغيل والتقنيات، وهو ما يساعد على إبقاء البرنامج داخل منشآت معروفة وقابلة للرقابة الدولية. كما أن وجود روسيا داخل هذا المشروع قد يقلل من احتمالات توجه إيران نحو العمل السري أو الخروج الكامل عن الأطر الدولية.
وأكد بريجع أن هذا التعاون، رغم طابعه المدني، قد يؤدي في المقابل إلى زيادة حدة التوتر مع الغرب إذا جرى التعامل معه باعتباره جزءاً من محور سياسي روسي ـ إيراني في مواجهة الولايات المتحدة. ولذلك فإن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالطاقة النووية السلمية، بل أيضاً بحالة الاستقطاب الدولي وفقدان الثقة السياسية، في منطقة تعيش أصلاً على وقع صراعات معقدة تجعل حتى المشاريع المدنية تحمل أبعاداً استراتيجية وأمنية عميقة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :