كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في لبنان، لم يعد الانقسام السياسي مجرد تباين حول ملفات داخلية أو حسابات سلطوية ضيقة، بل أصبح في جوهره مرتبطاً بموقع كل فريق من الصراع العربي – الإسرائيلي، وبكيفية قراءة التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة. وهنا تحديداً تظهر الفوارق الحقيقية بين من لا يزال يرى في إسرائيل عدواً تاريخياً يمارس الاحتلال والقتل والتدمير، وبين من بدأ يتعامل مع هذا العدو كـ«واقع جديد» ينبغي التكيّف معه وتقديم أوراق الاعتماد له ولحلفائه.
وسط هذا المشهد، يبرز موقف وليد جنبلاط بوصفه حالة تستحق التوقف عندها. فرغم كل ما عُرف عنه من براغماتية سياسية ومرونة في إدارة التوازنات، بقي الرجل حريصاً على عدم الانزلاق إلى خطاب التطبيع أو تبرير العدوان الإسرائيلي، بل حافظ في اللحظات المفصلية على حد أدنى من الثوابت الوطنية والأخلاقية تجاه فلسطين ولبنان.
وهنا تبدأ المعضلة بالنسبة لكثيرين.
ففي زمن التحولات الكبرى، لم يعد بعض الطامحين في لبنان يقدّمون أنفسهم عبر مشاريع إنقاذية أو رؤى إصلاحية أو حتى كفاءة سياسية، بل بات الطريق الأقصر نحو الحجز داخل «المحور الجديد» يمر عبر مهاجمة المقاومة وكل من يرفض الانخراط الكامل في المشروع الأميركي – الإسرائيلي في المنطقة.
وهكذا، تحوّل الهجوم على جنبلاط ورئيس مجلس النواب نبيه بري إلى ما يشبه “السيرة الذاتية السياسية” التي يكتبها البعض بلهفة، من أصغر صاحب منصة على وسائل التواصل، إلى أكبر طامح لدور أو وظيفة أو موقع داخل محور تديره إسرائيل وتمنحه الولايات المتحدة الغطاء والرعاية.
المفارقة أن الأشخاص أنفسهم الذين يصفون جنبلاط وبري عند كل أزمة بأنهما “صمام أمان” و”ضمانة للاستقرار”، يعودون سريعاً إلى استهدافهما فور تغيّر اتجاه الرياح أو تبدّل المصالح الإقليمية. وكأن الوطنية باتت موسمية، والمواقف تُفصَّل وفق الطلب الخارجي لا وفق ثوابت أو قناعات.
وفي هذا السياق، تبدو المقارنة شديدة الوضوح مع شخصيات أخرى في المشهد اللبناني.
فخطاب سمير جعجع بات في كثير من الأحيان أقرب بالكامل إلى السردية الغربية في مقاربة الصراع، حيث تُحمَّل المقاومة وحدها مسؤولية التوترات، بينما يجري القفز فوق أصل المشكلة المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة على لبنان وفلسطين.
أما جبران باسيل، فيبدو أسير التموضع المتبدل وفق حسابات العقوبات والعلاقات الخارجية والتوازنات الإقليمية، ما جعل خطابه يتأرجح بين المواقف من دون وضوح استراتيجي ثابت.
لكن الأكثر فجاجة كان في بعض التصريحات الأخيرة الصادرة عن حفيد الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون، والتي حملت تعاطفاً واضحاً مع العدو الإسرائيلي، من دون أي إدانة حقيقية للمجازر والإجرام الذي يُرتكب بحق الشعب الفلسطيني واللبناني. وهو موقف بدا بالنسبة لكثيرين سقوطاً أخلاقياً وسياسياً مدوياً، خصوصاً أن الصمت لم يكن حياداً، بل أقرب إلى محاولة تموضع داخل المناخ الإقليمي الجديد ولو على حساب الدم والذاكرة والكرامة الوطنية.
بينما نجد في المقابل مجموعة من الشخصيات الوطنية والبرلمانية، ولا سيما داخل المكوّن المسيحي، دفعت أثماناً سياسية وشعبية وإعلامية نتيجة تمسّكها بمواقف تعتبر أن الدفاع عن لبنان لا يخضع للمزايدات ولا للضغوط الخارجية. شخصيات اختارت مقاربة الملفات بعقل الدولة لا بعقل الاستثمار السياسي، ورفضت الانجرار إلى خطاب شيطنة كل ما يتصل بالمقاومة أو بحق لبنان في الدفاع عن نفسه.
وفي هذا الإطار، لفتت مواقف نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب الأنظار خلال أكثر من محطة، خصوصاً في لهجته الواضحة تجاه الاعتداءات الإسرائيلية ودعمه حق لبنان في حماية أرضه وشعبه، بعيداً عن الحسابات الشعبوية أو الخطابات المصنوعة للاستهلاك الخارجي.
كما برز دور إبراهيم كنعان الذي تحوّل في كثير من الملفات إلى رافعة وطنية داخل المؤسسات، سواء في الملفات المالية أو الدستورية أو السياسية، عبر مقاربة قائمة على منطق الدولة والحوار والبحث عن حلول فعلية، لا على منطق الكسر أو تسجيل النقاط أو الاستثمار في الانقسام الداخلي.
وهؤلاء، كغيرهم من الشخصيات التي لا تزال تتمسك بالحد الأدنى من الثوابت الوطنية، يدفعون اليوم ثمن رفضهم الانخراط في موجة الاصطفاف الكامل خلف المشروع الأميركي – الإسرائيلي. لأن المشكلة لم تعد في الاختلاف السياسي الطبيعي، بل في محاولة إعادة تعريف معنى الوطنية نفسها، بحيث يصبح المطلوب من السياسي اللبناني أن يهاجم المقاومة أولاً ليُمنح صفة “الاعتدال”، وأن يصمت عن الجرائم الإسرائيلية كي يُصنَّف ضمن “المعسكر المقبول”.
ولذلك تحديداً يُستهدف كل صوت يرفض هذا المسار. لأن مجرد بقاء شخصيات لبنانية، من مختلف الطوائف والانتماءات، خارج منطق التطبيع الكامل، يمنع تحويل لبنان إلى ساحة فاقدة للذاكرة والسيادة والبوصلة الوطنية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :