كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
ليست المأساة اليوم في عدد الشـ.ـهداء فقط، ولا في حجم الدمار الذي يبتلع المدن والقرى، بل في ذلك الانهيار الأخلاقي الذي أصاب جزءاً من هذا العالم حتى بات مشهد الأطـ.ـفال الممزقة أجسادهم خبراً عابراً في نشرات المساء.
هناك، تحت الركام، لا يسقط الحجر وحده… بل تسقط الإنسانية نفسها.
في غـ..ـزة، في جنوب لبنان، وفي كل بقعة يصل إليها جنون الـ.ـعـ..ــدوان الصهيـ.ـوني، تمتزج أجساد الأطـ.ـفال بأنقاض البيوت التي بناها الآباء بعرق الجبين وتعب العمر.
أمهات يبحثن بأيديهن بين الإسمنت والحديد عن ملامح أبنائهن، شيوخ يرحلون بصمت بعدما شاهدوا أعمارهم تتحول إلى غبار، وقرى بكاملها تُمحى لأن آلة القتـ.ـل قررت أن الحياة العربية مباحة بلا سقف ولا حساب.
ومع ذلك، لا يزال هذا العالم يتحدث عن “ضبط النفس”.
أي نفس بقيت لضبطها بعدما تحولت المستشفيات إلى مقابر جماعية، والمدارس إلى أهداف، والطفولة إلى أشلاء تُنتشل من تحت الركام؟
لكن الكارثة الأكبر ليست في وحشية الـ.ـعـ..ــدو، فالـ.ـعـ..ــدو الصهيـ.ـوني لم يخفِ يوماً طبيعته القائمة على الدم والنار والإبادة.
الطامة الكبرى تكمن في أولئك الذين اختاروا، في ذروة المجـ..ـزرة، الجلوس على طاولة واحدة مع القاتل، وكأن الدم الذي يسيل في الجنوب وغـ..ـزة مجرد تفصيل سياسي يمكن تجاوزه بابتسامة أمام الكاميرات.
أي معنى للوطنية حين يجلس وفد لبناني على الطاولة نفسها مع من يمزق أجساد أطـ.ـفالنا وشيوخنا وأهلنا؟
أي كرامة تبقى حين تُفتح أبواب واشنطن للمفاوضات فيما رائحة الدم لا تزال تعبق في الهواء؟
إنها ليست مفاوضات متكافئة بين طرفين، بل جلسات يريدها الأميركي بلا أوراق قوة لبنانية، بلا موقف سيادي موحد، فقط لتلقي الإملاءات تحت عناوين براقة عن “الاستقرار” و”السلام”.
سلامٌ فوق جماجم الأبرياء، واستقرارٌ يُراد له أن يولد من رحم المـ ـجـ ـازر.
والمؤلم أكثر أن البعض لا يزال يظن أن الخارج يمكن أن يمنحه وطناً أو كرامة.
تجارب العقود الماضية أثبتت أن الأميركي لا يحمي إلا مصالحه، وأن الـ.ـعـ..ــدو الصهيـ.ـوني لا يفهم إلا لغة القوة.
لكن بدلاً من أن يكون الموقف اللبناني موحداً خلف عناصر قوته الحقيقية، خلف مـ.ـقاومته التي أثبتت في الميدان أنها قادرة على فرض المعادلات، يذهب البعض إلى واشنطن بأوراق فارغة وعقلية مهزوزة، وكأن المطلوب من لبنان أن يتلقى الشروط لا أن يفرضها.
وفي مقابل هذا المشهد البائس، هناك صورة أخرى تُكتب بالنار والدم والشرف.
هناك في الميدان رجال يرفعون لواء الكرامة، لا يساومون على الأرض، ولا يفاوضون على دمـ.ــاء الناس، ويؤمنون أن الأوطان لا تُحمى بالبيانات ولا بالابتسامات الدبلوماسية، بل بالموقف والإرادة والتضحية.
هناك من يقف في خطوط النار فيما آخرون يجلسون تحت أضواء الفنادق المكيفة.
هناك من يحمل الوطن على كتفيه، فيما البعض يحمل ملفات التفاوض إلى طاولات لا ترى في لبنان أكثر من ساحة ينبغي إخضاعها.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تحفظ أسماء الذين جلسوا في الفنادق، بل تتذكر أولئك الذين وقفوا في وجه الظلم حين خاف الجميع.
ولهذا بقي هانئ بن مسعود في ذاكرة العرب رمزاً للكرامة، لأنه قال “لا” حين كان الصمت أكثر أماناً.
أما اليوم، فإن الأمة تبدو وكأنها تخشى حتى حقها في الغضب.
العالم العربي الذي يملك النفط والممرات البحرية والثروات والموقع والتاريخ، يقف عاجزاً عن صياغة موقف موحد يحفظ كرامته وحقوق شعوبه.
كل دولة تحسب حساباتها الضيقة، وكل مسؤول يخشى غضب الخارج أكثر مما يخشى دموع الأطـ.ـفال تحت الركام.
ومع ذلك، لن يستطيع أحد قتـ.ـل الحقيقة.
والحقيقة أن هذه الأمة، رغم كل الانكسارات، لا تزال تنجب من يحمل شرف الدفاع عنها، ومن يرفض أن تتحول الأوطان إلى موائد مساومة.
سيأتي يوم تُفتح فيه صفحات هذه المرحلة السوداء، وسيقرأ الأبناء كيف تُرك الأطـ.ـفال وحدهم في مـ..ـواجهة آلة القتـ.ـل، وكيف اختار بعض العرب الصمت أو التفاوض فيما كانت الإنسانية تُذبح على الهواء مباشرة.
وعندها، لن يكون السؤال من ارتكب المجـ..ـزرة فقط…
بل من صافح القاتل؟
من جلس معه على الطاولة فيما الدم لم يجف بعد؟
ومن بقي في الميدان يحرس ما تبقى من كرامة هذه الأمة؟
التاريخ لا يرحم الغائبين.
والأوطان لا يحفظها المترددون.
أما الدم الذي يسقط دفاعاً عن الأرض والكرامة، فهو وحده الذي يبقى حياً في ذاكرة الشعوب، مهما حاولت السياسة أن تطمره تحت ركام الصفقات والبيانات والطاولات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :