ليليان عبد الخالق - باحثة في العلوم السياسية
حين يُحاصَر التاريخ بالصمت.
في سهول ذي قار، قبل أربعة عشر قرناً، وقف رجل واحد في وجه إمبراطورية. لم يكن يملك جيوشاً جرارة ولا أسلحة متطورة، لكنه امتلك شيئاً أثمن من كل ذلك: موقفاً. قال *لا* حين كان الجميع يتوقع نعم. وانتصر.
اليوم، وبينما تشتعل المنطقة من حولنا، ويتصاعد الدخان فوق المدن، ويُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط بالنار والحديد يبحث المرء عن هانئ بن مسعود في الضمير العربي، فلا يجده.
منذ اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، والعالم العربي يتفرج. لا موقف جماعياً واضحاً، ولا صوتاً عربياً موحداً يُسمع في أروقة الأمم المتحدة أو على طاولات التفاوض. ثمة بيانات تصدر، وكلمات تُقال، واجتماعات تُعقد لكن كل ذلك لا يتجاوز حدود الورق.
المنطقة تحترق، ومضيق هرمز يُغلق ويُفتح وفق إرادة آخرين، وأسعار النفط تقفز وتنهار بقرارات لا يد للعرب فيها، وملايين البشر في المنطقة يدفعون فاتورة حرب لم يُستشاروا فيها — والصمت العربي الرسمي يمتد كالصحراء لا ضفاف له.
ليس الضعف العربي وليد اليوم. هو تراكم طويل من القرارات الخاطئة والفرص الضائعة والرهانات على الآخرين. راهن العرب على القوى الكبرى لحماية أمنهم، فوجدوا أن القوى الكبرى لا تحمي إلا مصالحها. راهنوا على التوازنات الإقليمية، فوجدوا أن التوازنات تتبدل وفق موازين القوة لا وفق الحق والعدل.
وحين جاءت اللحظة التي تستدعي موقفاً، وجد العالم العربي نفسه مُشتتاً بين ولاءات متعارضة، وحسابات ضيقة، ومصالح آنية تُقدَّم على الموقف التاريخي. كل دولة تنظر إلى حدودها، وكل حاكم يحسب ربحه وخسارته والمشهد الجماعي يتلاشى في زحمة الحسابات الفردية.
الأشد إيلاماً في المشهد الراهن أن المنطقة التي شهدت أول انتصار عربي على إمبراطورية، باتت اليوم ساحة تتقاطع فيها إرادات الإمبراطوريات الجديدة دون أن تملك الإرادة العربية حضوراً حقيقياً فيها. هرمز الذي كان يوماً رمزاً للنفوذ العربي والإسلامي، بات اليوم ورقة ضغط بيد آخرين.
وفي حين تتحدث أطراف النزاع بلغة الاستراتيجية والمصالح الوطنية والخطوط الحمراء، يتحدث العرب حين يتحدثون بلغة الدبلوماسية الناعمة والنداءات إلى ضبط النفس. وكأن ضبط النفس فضيلة حين يكون البيت يحترق.
لم يكن هانئ بن مسعود يملك ما يملكه العرب اليوم من ثروات ومؤسسات ومنظمات ومقاعد في مجلس الأمن. لم يكن يملك نفطاً يُشكّل 40% من احتياطيات العالم، ولا ممرات مائية تتوقف عليها حركة التجارة الكونية. لكنه امتلك ما يبدو نادراً اليوم: إرادة الموقف.
الفارق ليس في الإمكانات الفارق في الإرادة. وغياب الإرادة لا تُعوّضه كل الإمكانات.
لا يعني هذا الكلام دعوةً إلى مغامرات عسكرية أو تصعيد أرعن. هانئ بن مسعود نفسه لم يبحث عن الحرب، بل فُرضت عليه. غير أنه حين فُرضت، لم يتخلَّ عن موقفه ولم يتنازل عن كرامته.
المطلوب اليوم ليس السيف، بل شيء أصعب منه بكثير: موقف سياسي عربي جماعي واضح يقول للعالم إن لهذه المنطقة أصحاباً، وإن أصحابها لن يقبلوا أن تُحسم مصائرهم على موائد لا يجلسون عليها.
حين تُكتب صفحات هذه المرحلة في كتب التاريخ، ماذا سيقرأ أحفادنا عن الموقف العربي؟ هل سيقرأون أن أمة امتلكت كل مقومات التأثير واختارت الصمت؟ أم أنها وجدت في اللحظة الحرجة ما وجده هانئ بن مسعود في ذي قار الإرادة على الموقف؟
التاريخ لا يرحم الغائبين. وذو قار لن تتكرر إن لم نقرر أولاً أن نكون حاضرين.
"هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم" النبي محمد ﷺ عن يوم ذي قار
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :