نظرية النصر لمحور المقاومة: حين تنتقل الحرب من الجبهات إلى شروط النهاية

نظرية النصر لمحور المقاومة: حين تنتقل الحرب من الجبهات إلى شروط النهاية

 

 

 

 

الصدمة التي صنعتها غزة تجاوزت حدود القطاع، في غزة يتقدم ملف نزع السلاح بوصفه اختباراً لشروط اليوم التالي، وفي لبنان تتآكل الهدنة تحت وقع الضربات والاغتيالات، وفي إيران يطل سؤال القوة حين تعجز عن صناعة نهاية مستقرة، وبين هذه الساحات الثلاث يتقدم السؤال الأثقل: من يملك تعريف النصر، ومن يكتب شروط النهاية.

من هذه الزاوية تبدو المنطقة أمام سؤال واحد بثلاث صور، غزة تواجه سؤال اليوم التالي بعد وقف النار، لبنان يواجه سؤال الردع الذي يحمي الهدوء ويمنع تحوله إلى هدنة مخترقة، إيران تواجه سؤال القدرة على منع الخصم من تحويل القوة إلى ترتيب سياسي مستقر، وفي قلب هذه الساحات يقف محور المقاومة أمام امتحان أشد تركيباً: كيف تتحول الجبهات المتعددة إلى نظرية نصر واحدة.
نظرية النصر هي النموذج الذي يربط الفعل بالغاية، ويحوّل الصمود إلى أثر، ثم يحوّل الأثر إلى قيد على الخصم، ثم يحوّل هذا القيد إلى شروط نهاية قابلة للحماية، وكل حرب طويلة تفقد هذا الربط تتحول إلى سلسلة وقائع متفرقة، قد تكون مؤثرة، لكنها تبقى عاجزة عن صناعة خاتمة سياسية واضحة.
غزة أعادت تعريف النصر لأنها أجبرت “إسرائيل” على العيش داخل مأزق القوة، فالقصف الغاشم واستهداف المجتمع عجزا عن صناعة الاستسلام أو إنهاء القضية، والاجتياح البري عجز عن إنتاج سيطرة مستقرة، والزمن الطويل للحرب العدوانية عجز عن منح “تل أبيب” صورة النصر التي وعدت بها جمهورها وحلفاءها، هنا تكمن المفارقة في قدرة غزة على تحويل الاحتمال والصمود إلى قيد على الخصم، ومنع تفوقه العسكري من التحول إلى نهاية سياسية مريحة.
مع انتقال الامتحان من الحرب إلى اليوم التالي، تصبح ملفات نزع السلاح، والانسحاب، والإعمار، والحكم، والضمانات، جوهر المعركة وميدانها السياسي الجديد، فـ”إسرائيل” تريد أن تجعل الأمن مدخلاً للوصاية، والإعمار أداة ابتزاز، والتهدئة قيداً طويلاً على الفلسطينيين، بينما تحتاج غزة إلى تحويل الصمود إلى شروط تحمي المجتمع، وتفتح الإعمار، وتصون التمثيل، وتمنع تحويل المساعدات إلى بديل عن الحقوق.
يتحول نزع السلاح بهذا المعنى إلى سؤال سياسي وأمني داخل نظرية النصر، فهو سؤال عن الجهة التي تملك تعريف الأمن، وعن الضمانات التي تمنع عودة الاستباحة، وعن العلاقة بين الانسحاب والإعمار والسيادة والتمثيل، وكل مقاربة لغزة بعد الحرب تتجاوز هذه الأسئلة تبقى إدارة شكلية للأزمة، بينما يتمركز جوهر المعركة في مكان آخر: من يملك ترتيب القوة بعد النار.
في لبنان يظهر سؤال النهاية من باب الردع، فالهدنة التي تتآكل تحت الضربات والاغتيالات تكشف حاجة الاتفاق إلى قوة تلزمه، وتكشف أن الهدوء بلا ضمانة يتحول إلى مساحة رمادية تستثمرها “إسرائيل” لمواصلة الحرب بوسائل أقل كلفة، هنا تصبح قيمة الهدوء في قدرته على إلزام العدو، وكبح الاغتيال، ومنع المنطقة العازلة، وحماية المجتمع الجنوبي من حرب مفتوحة تحت سقف تفاوضي.
قيمة لبنان في نظرية النصر الإقليمية أنه يثبّت سؤال الردع على تماس مباشر مع فلسطين، ويمنع “إسرائيل” من التعامل مع الشمال بوصفه هامشاً آمناً، ويبلغ هذا الردع مداه حين يتصل بغزة وفلسطين، فالجبهة اللبنانية جزء من معركة أوسع على منع عزل فلسطين، ومنع تحويل الحرب على غزة إلى شأن فلسطيني داخلي معزول عن توازنات المنطقة، ضمن معنى الإسناد الذي رسّخه السيد الشهيد حسن نصر الله في الوعي السياسي للمحور.
وفي اليمن خرج أثر غزة إلى البحر، وصارت الممرات الحيوية جزءاً من حساب الحرب، وأُجبر النظام الدولي على التعامل مع العدوان بوصفه كلفة تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، لقد حمل اليمن القضية إلى فضاء المصالح الدولية، وجعل التجارة والتأمين والطاقة والعبور البحري عناصر ضغط في معادلة سياسية عنوانها غزة، وهذه وظيفة استراتيجية تُقاس بقدرتها على توسيع أثر القضية في أعصاب النظام العالمي.
في إيران يظهر الوجه الآخر لنظرية النصر، حين تمتلك القوة الكبرى القدرة على الضرب وتفتقر إلى تصور مستقر للنهاية، تستطيع أن تضرب، وتهدد، وتحشد، لكنها تصطدم بسؤال الكلفة والرد والاقتصاد والأسواق والممرات والتحالفات، وحين تغيب النهاية الواضحة تتحول القوة إلى عبء على صاحبها، وتصبح المواجهة اختباراً للقرار السياسي قبل أن تكون اختباراً للنار.
تمثل إيران عمقاً استراتيجياً يمنح الساحات زمناً أطول وقدرة أوسع على الصمود، وتدير توازناً حساساً بين الردع والتصعيد، وبين الدعم والحسابات الكبرى، وبين الثبات وتجنب الاستدراج إلى حرب مصممة وفق شروط الخصم، قوة إيران في هذه المعادلة تتجلى في منع تفكيك الساحات، ومنحها زمناً سياسياً أطول، وتعزيز ترابط المحور.
العراق يحضر في هذه الصورة من بوابة المشرق والسيادة والتوازن، فصلة العراق بفلسطين تمنع عزل القضية عن عمقها الطبيعي، وتربطها بسؤال الوجود الأجنبي وقرار المنطقة، وتمنح المحور امتداداً سياسياً ومعنوياً في واحدة من أكثر ساحات المشرق حساسية، أما سوريا فتظل حاضرة بوصفها تحولاً في البيئة الاستراتيجية للمشرق، بعد أن تغير موقعها السابق وفرض على المحور قراءة أكثر واقعية لعمقه ومساراته.
تتحول القدرة على الضغط إلى نظرية نصر حين تدخل كل ساحة في وظيفة واضحة داخل غاية واحدة، غزة مركز المعنى، ولبنان يثبّت الردع، واليمن يوسّع الكلفة، والعراق يصل القضية بعمق المشرق، وإيران تمنع العزل والتفكيك، والتحولات السورية تختبر البيئة، ومن مجموع هذه الوظائف تتشكل معادلة واحدة: حرمان “إسرائيل” من امتلاك نهاية مريحة.
تسعى “إسرائيل”، ومعها المنظومة الغربية الداعمة لها، إلى صياغة نهاية مختلفة تماماً، غزة مقيدة بقيود أمنية طويلة، ولبنان مضبوط بردع من طرف واحد، واليمن محاصر عن التأثير، والعراق منفصل عن فلسطين، وإيران مشغولة باستنزاف دائم، والإقليم كله معاد ترتيبه حول أمن “إسرائيل”، هذه هي نظرية النهاية المقابلة، وهي جوهر الصراع الحقيقي خلف كثافة النار وتعدد الجبهات.
لذلك تتحدد معركة محور المقاومة اليوم في تعريف النهاية وإدارة الجبهات معاً، فالنصر هنا يقوم على توزيع الأدوار لا على تشابهها، وعلى وحدة الاتجاه لا على تزامن الحركة، وعلى منع الخصم من عزل كل ساحة على حدة، وعلى جعل غزة معياراً سياسياً وأخلاقياً لا حادثة عسكرية عابرة.
المجتمع والحاضنة الشعبية هما الامتحان الأصعب في هذه النظرية، فالشعوب التي تحتمل الحرب هي موضوع الصراع وشرط شرعيته، وتفقد نظرية النصر جزءاً من معناها حين تستهلك المجتمع من غير حماية حياته وكرامته وإعماره وأمنه المدني، لذلك تصبح حماية الناس جزءاً من المعركة، ويصبح الإعمار والدواء والغذاء والعودة والاستقرار عناصر في ميزان النصر وقضايا متصلة بجوهر الصراع.
في غزة يتجلى ذلك بوضوح، فالمعركة على الخبز والمعبر والخيمة والبيت المهدّم تدخل في قلب نظرية النصر بوصفها اختبارها العملي، لأن “إسرائيل” حاولت أن تجعل الحياة نفسها أداة ضغط، وأن تجعل المجتمع وسيطاً لإخضاع السياسة، وحين ينجح الفلسطينيون في حماية المجتمع وفتح مسار الإعمار وتثبيت حقهم في القرار، فإنهم ينقلون الصمود من الذاكرة إلى السياسة.
وفي لبنان يتجلى ذلك في حق الناس بالعودة الآمنة إلى الجنوب، وفي منع تحويل القرى المدمرة إلى منطقة عازلة دائمة، وفي جعل وقف النار التزاماً فعلياً لا عنواناً يسمح باستمرار الاغتيالات، وفي اليمن يتجلى في قدرة بلد محاصر على ربط آلامه بوجدان فلسطين، وفي إيران يتجلى في إدارة الكلفة الكبرى من غير منح الخصم صورة الانتصار الذي يبحث عنه، وفي العراق يتجلى في بقاء فلسطين جزءاً من سؤال السيادة والقرار.
هكذا تتحول نظرية النصر من مفهوم مجرد إلى ميزان عملي، فهي تسأل في كل ساحة: ماذا يريد الخصم من هذه الحرب، وما النهاية التي يسعى إليها، وكيف يمكن منعها، وما الشروط التي يجب تثبيتها بدلاً منها، بهذا المعنى تصبح غزة ولبنان وإيران ثلاث مرايا لسؤال واحد، غزة مرآة اليوم التالي، لبنان مرآة الردع، إيران مرآة المدى الإقليمي للصراع.
الشرعية جزء من موازين القوة في هذه المعركة، فقد وضعت غزة العالم أمام سؤال أخلاقي صارخ: من يحاصر المدن، من يستخدم الغذاء والدواء والمعابر أدوات ضغط، من يحوّل الإعمار إلى ورقة ابتزاز، ومن يدافع عن حق شعب في الحياة والحرية والكرامة، حين يربط محور المقاومة فعله بهذا السؤال، فإنه يضيف إلى قوته المادية قوة معنوية يصعب كسرها، وحين يضعف هذا الوصل تضيق مساحة التأثير السياسي التي صنعتها تضحيات هائلة.
من هنا يصبح الحديث عن نظرية النصر امتداداً طبيعياً لما كتبته غزة في الميدان، فالميدان كتب العقيدة حين أجبر “إسرائيل” على مراجعة الحسم والردع، واليوم يكتب الميدان الإقليمي نظرية النصر حين يضع غزة ولبنان وإيران أمام السؤال نفسه: كيف تُمنع “إسرائيل” من تحويل القوة إلى نهاية، وكيف تتحول تضحيات الشعوب إلى شروط سياسية تحفظ القضية والمجتمع والمعنى.
الخلاصة أن محور المقاومة بعد الطوفان تجاوز مرحلة إثبات تعدد جبهاته، فقد صار ذلك واقعاً في حسابات العدو والصديق، والتحدي الأثقل هو تحويل هذا التعدد إلى وحدة غاية، ووحدة الغاية تعني أن تبقى فلسطين مركز البوصلة، وأن تبقى غزة معيار الاختبار، وأن يتحول الردع إلى شروط سياسية، وأن يتحول الصمود إلى حماية للمجتمع، وأن تصبح النهاية نفسها ميداناً للصراع.
النصر في هذه المرحلة تصنعه القدرة على منع الخصم من كتابة الخاتمة وحده، ومن يمتلك تعريف النهاية، يمتلك الجزء الأثقل من النصر.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي