بمال القذافي وخبرة حروب تشاد.. كيف بنى إياد غالي إمبراطوريته المسلحة

بمال القذافي وخبرة حروب تشاد.. كيف بنى إياد غالي إمبراطوريته المسلحة

 

Telegram

إياد أغ غالي، الملقب بـ "أبو الفضل"، هو زعيم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي.

وُلد في ستينيات القرن الماضي بمنطقة كيدال (شمال مالي) وينتمي لقبيلة "إيفوغاس" الطارقية النافذة. بدلاً من سلك طريق السياسة التقليدي، اختار غالي حياة "الجندي المرتزق" في بداياته، قبل أن يصبح المحرك الأساسي للتمرد الطارقي، ثم العقل المدبر للتمدد الجهادي في منطقة الساحل.

المسار الدموي والسياسي لإياد غالي عبر العقود:

مدرسة القذافي ولبنان: في الثمانينيات، انضم غالي إلى "الفيلق الأخضر" الذي أسسه معمر القذافي. شارك في حروب إقليمية ودولية، حيث قاتل في لبنان خلال الحرب الأهلية ضد القوات الإسرائيلية، كما شارك في حروب القذافي في تشاد (قطاع أوزو). هناك اكتسب خبرة عسكرية ميدانية هائلة وتمرس على حرب العصابات.

زعيم التمرد الطارقي: عاد إلى مالي في التسعينيات ليقود "الحركة الشعبية لتحرير أزواد" ضد الحكومة المالية، وكان مهندس اتفاقيات السلام المتعاقبة، مما جعله "رجل المهام الصعبة" والوسيط المقرب من السلطات في مالي والجزائر.

التحول نحو "القاعدة": بعد فشله في تزعم الحركة الطارقية العلمانية، أسس جماعة "أنصار الدين" في 2012، معلناً تبنيه للفكر الجهادي. وفي 2017، نجح في توحيد عدة فصائل تحت راية واحدة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) ليبايع تنظيم القاعدة.

ويقول ضابط مالي:

«إنه استراتيجي بارع على المستويين العسكري والسياسي. لقد أرهقنا لسنوات طويلة».

صبور ومنهجي

على الأرض، يقاتل رجاله في الخطوط الأمامية. ففي 25 أبريل/نيسان هاجموا كيدال، وكذلك غاو في الشمال، وموبتي في الوسط، وحتى باماكو. كما اقتحموا كاتي، المدينة العسكرية ومعقل المجلس العسكري، الواقعة على بعد نحو عشرين كيلومتراً من العاصمة، حيث قتلوا وزير الدفاع والرجل الثاني في النظام العسكري، الجنرال ساديو كامار

وفي كيدال ثم في تيساليت ـ المدينة الأخرى في شمال مالي التي سيطروا عليها في الأول من مايو/أيار ـ ألحقوا، مع حلفائهم في جبهة تحرير أزواد، إهانة بعناصر «فيلق إفريقيا»، إذ رافقوهم إلى خارج المدينتين من دون حتى خوض قتال مباشر.

ومنذ 28 أبريل، يحاول الجهاديون أيضاً فرض حصار كامل على باماكو عبر قطع جميع طرق الوصول والإمداد.

خلال السنوات الأخيرة، راح أميرهم، كلاعِب شطرنج، ينفذ بصبر ومنهجية استراتيجيته للتوسع الإقليمي نحو جنوب مالي، بعيداً عن قواعده الشمالية. ويرى خبراء أن هدفه واضح: إسقاط المجلس العسكري بقيادة غويتا واستبداله بسلطة «متوافقة مع الإسلاميين» في باماكو، تمهيداً لتطبيق الشريعة الإسلامية في كامل البلاد.وبحسب مصادر مقربة من الجماعة، فقد تابع إياد أغ غالي عن كثب سقوط بشار الأسد ووصول أحمد الشرع ورجاله في «هيئة تحرير الشام» إلى السلطة في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024.

عدم تكرار أخطاء 2012

بالنسبة لإياد أغ غالي، لم يكن وارداً تكرار أخطاء عام 2012. ففي ذلك الوقت، كان زعيماً لحركة «أنصار الدين»، وشارك في السيطرة على شمال مالي مع جماعات جهادية وانفصالية أخرى. لكن الجهاديين انقلبوا سريعاً على الانفصاليين، ثم فرضوا الشريعة بصرامة، تاركين ذكريات مؤلمة لدى السكان عن الأيدي المقطوعة والأضرحة المدمرة.

ويقول أحد رفاقه الطوارق:

«كان إياد أغ غالي قد نصح أبو زيد وقادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعدم اللجوء إلى مثل هذه الأساليب، لأنه كان يفضل تطبيقاً أقل تشدداً للشريعة، لكنهم للأسف لم يستمعوا إليه».

إياد أغ غالي… الرجل الذي يهزّ مالي

الزعيم الجهادي، الذي كان متمرداً طوارقياً سابقاً ثم أصبح قائداً لـ«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التي شارك في تأسيسها، هو المنسق الحقيقي للحرب ضد المجلس العسكري الحاكم منذ أواخر أبريل/نيسان.

بعد إطلاق عملية «سرفال» الفرنسية في يناير/كانون الثاني 2013، أُدرج اسمه وصورته في مقدمة قائمة «الأهداف ذات القيمة العالية» لدى الجيش الفرنسي. ومع مرور الوقت، ومع مقتل العديد من رفاقه الجهاديين وتزايد نفوذه، أصبح الهدف الأول، خصوصاً مع توسعه إلى وسط مالي حيث اعتمد على قاعدة شعبية يقودها أمادو كوفا، نائبه المنتمي إلى الفولاني.

وفي عام 2017، شارك في تأسيس «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» وتولى قيادتها، ليصبح الرجل الأكثر ملاحقة في منطقة الساحل. غير أن هذا الجهادي الماكر استطاع الإفلات من أجهزة الاستخبارات الفرنسية التي لاحقته ليل نهار بوسائل تقنية وبشرية ضخمة.

وفي الكواليس، كان مسؤولون فرنسيون يؤكدون أنه يحظى بدعم من الجزائريين، الذين يوفرون له ملاذاً آمناً قرب الحدود، خصوصاً في منطقة تين زواتين.

ويقول الضابط المالي:

«إنه رجل الجزائريين. صحيح أنه يتمتع بقدرة كبيرة على الصمود، لكنه ما كان ليبقى حياً لولا دعمهم

يتجنب إياد أغ غالي، الذي تعافى من مرض أضعفه لفترة، استخدام أي وسائل اتصال حديثة، وقد أحاط نفسه بدائرة أمنية محكمة في معقله الصحراوي بجبال إيفوغاس بين كيدال وتين زواتين.

ومع ذلك، فإنه يلتقي أعضاء مجلس الشورى التابع للجماعة، أحياناً حتى في وسط مالي. ووفق وسيط مطلع داخل المجتمع الفولاني، فقد كان في سبتمبر/أيلول 2025 في منطقة هومبوري قرب الحدود مع بوركينا فاسو.

أما خطاباته المصورة فهي نادرة للغاية، وآخرها يعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2023، حين هاجم المجلس العسكري بقيادة غويتا وحلفاءه الروس «الكفار».

وكما فشل الفرنسيون من قبل، عجز الروس ـ سواء تحت راية فاغنر أو «فيلق إفريقيا» ـ عن تصفيته أو حتى إبطاء توسع جماعته، التي عززت قوتها من خلال نهب أسلحة أعدائها والاستفادة من الموارد التي تدرها المناطق الخاضعة لسيطرتها، من ضرائب وتهريب وغيرها.

تحوّل مزدوج في 2025

شكّل عام 2025 منعطفاً مزدوجاً في استراتيجية إياد أغ غالي:

الأول كان عملياً، عبر تبني «جهاد اقتصادي» يهدف إلى خنق السلطة في باماكو، إضافة إلى الأهداف العسكرية التقليدية. فقد شُنت هجمات عديدة في غرب البلاد، القلب الاقتصادي لمالي، وفُرض حصار على واردات الوقود أدى إلى فراغ محطات الوقود في العاصمة لأسابيع.

أما التحول الثاني فكان سياسياً. ففي مواجهة مجلس عسكري سلطوي يقمع معارضيه ويتهم بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين باسم مكافحة الإرهاب، عمد إياد أغ غالي إلى تليين خطابه تدريجياً ليبدو أقل تطرفاً وأكثر قبولاً، مقدماً نفسه بديلاً عن الانقلابيين.

وعقب هجمات 25 أبريل، نشر بياناً دعا فيه:

«كل الوطنيين الصادقين، من دون أي تمييز، إلى الاتحاد في جبهة مشتركة ضد سلطة الجنرال غويتا».

وفي مطلع 2025، وبعد سنوات من المواجهات الدامية، أعاد وصل علاقاته مع «جبهة تحرير أزواد»، ليُبرم معها التحالف الذي قاد إلى الهجوم المشترك الأخير.

ويقضي الاتفاق، في جوهره، بأن يبتعد إياد أغ غالي عن تنظيم القاعدة ويركز على أجندة مالية محلية، بينما تقبل جبهة تحرير أزواد بتطبيق الشريعة عبر قضاة شرعيين يتولون وظائف مدنية وقضائية ودينية.

ويعترف الانفصاليون ضمناً بأن إياد أغ غالي شخصية لا يمكن تجاوزها، وكان من الصعب العمل من دونه.

ويقول مصدر في الجبهة:

«لكل طرف أيديولوجيته، لكننا حلفاء ظرفيون ضد عدو مشترك: مجلس الجنرال غويتا».

ورغم وحدة الهدف المرحلي، فإن الأهداف النهائية تختلف: فبينما تسعى الجبهة إلى السيطرة على أزواد، أي شمال مالي، يريد «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» فرض حكمه الديني على البلاد كلها.

الرجل الذي يحرك الخيوط

من خلال تحالفه مع جبهة تحرير أزواد، يسعى إياد أغ غالي إلى إثبات أنه ليس منبوذاً، كما يتيح له ذلك الاستفادة من إمكانات شركائه في الإدارة المحلية والعلاقات الدبلوماسية والإعلام.

ويقول مصدر أمني فرنسي:

«الجبهة تمثل واجهته، لكن القوة العسكرية الحقيقية لديه هو».

ويرتبط مباشرة بالغاباس أغ إنتالا، المنتمي مثله إلى قبيلة إيفوغاس النبيلة، والذي تجمعه به روابط عائلية وتاريخ طويل من النضال المشترك.

لكن المتمرد الطوارقي السابق يمتلك أيضاً شبكات قوية في باماكو، نسجها منذ التسعينيات عندما كان يدخن ويشرب الويسكي ويخالط النخب الثقافية بصفته مستشاراً للرئيس ألفا عمر كوناري.وفي العاصمة، يحظى بدعم أوساط وهابية تشارك رؤيته المتشددة للإسلام، أو تأثرت مثله بجماعة «التبليغ» الباكستانية التي وصلت إلى مالي أواخر التسعينيات.

ويقول محلل مالي:

«إياد أغ غالي يحظى بتقدير كبار التجار والطلاب الوهابيين الذين يمتلكون شبكات فعالة داخل باماكو».

ويرى كثيرون أنه إذا تمكن من إسقاط المجلس العسكري، فمن غير المرجح أن يحكم بنفسه مباشرة، بل سيكون مرة أخرى «الرجل الذي يحرك الخيوط من الخلف»، أي صانع الملوك الذي يختار شخصية تنفذ مشروعه السياسي ـ الديني.

وفي هذا السيناريو، يتكرر اسم محمود ديكو، الإمام البارز والرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى في مالي، والمعارض للمجلس العسكري والمقيم حالياً في الجزائر، والذي سبق أن لعب دور الوسيط مع الجهاديين وكانت له اتصالات مع إياد أغ غالي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram