الاتفاق المؤجل: بين تصريحات ترامب وواقع الميدان
في آخر تصريحاته قال الرئيس ترامب أن بلاده أجرت محادثات جيدة مع إيران وأن الاتفاق بين البلدين بات قريبا. بالنسبة للمتابعين هذا ليس الإعلان الأول من نوعه (ولن يكون الأخير)، وهو لا يمنع عودة ترامب إلى لغة التهديد والوعيد مرة أخرى.
في مقال لصحيفة هآرتس، رأى الكاتب أن ترامب يقع للمرة الأولى في مسيرته السياسية في شر أعماله، وأنه يعاني من أزمة في التعامل مع نتائج مجموعة القرارات السيئة التي اتخذها وانتهت بالفشل. الأزمة بالأصل ليست شخصية، فالولايات المتحدة عبر تاريخها ارتكبت العديد من الحماقات العسكرية التي انتهت بمشاهد مذلة لقواتها وهي تغادر ساحات المعارك في فيتنام، ولبنان، وأفغانستان وغيرها كثير.
تختلف أزمة إدارة ترامب في أن سلسلة القرارات والتصريحات التي أطلقها الرئيس لم تكن نتيجة خطة مدروسة ومتفق عليها داخل الإدارة، بل كانت اجتهادات شخصية أدت إلى إرباك السياسيين، وإقالة العديد من كبار العسكريين. هذا الإرباك أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز من خلال متابعتها للتصريحات المتناقضة لوزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي ماركو روبيو.
الهزيمة كما تبدو في الصورة هي لرئيس أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم أمام دولة نامية متوسطة الحجم ومحدودة القوة مقارنة بخصمها. وفي الوقت نفسه هزيمة لأقوى جيش في العالم في حرب تقليدية بين الجيوش، وليس حرب عصابات كما حدث في مناطق أخرى من العالم. لمحو هذه الصورة يترافق كل تصريح لترامب حول قرب الوصول إلى اتفاق شامل، بالتأكيد على أنه طلب إيران بعد تدمير قدراتها العسكرية والسياسية، وموافقتها على عدم امتلاك أسلحة نووية، رغم أنها لم تعلن يوما رغبتها في امتلاك هذه الأسلحة.
لكن السؤال يبقى مطروحا، هل فعلا اقتربت المفاوضات من نهايتها، وأن الاتفاق الشامل على الأبواب؟
جميع الشواهد تشير إلى أن تصريحات ترامب ليست سوى “فرقعة” إعلامية، وأن ما يحدث في الميدان وأروقة الدبلوماسية يختلف تماما. فالتهديدات الإيرانية بالتصدي لأي محاولة أميركية لعبور المضيق، رافقها استعراض قوة قامت به الزوارق البحرية الإيرانية الصغيرة “أسطول البعوض”، والذي يحمل ذكرى أليمة للبحرية الأميركية عندما تمكنت هذه الزوارق من اعتراض زورق تابع للبحرية الأميركية وأسر جنود أميركيين عام 2016. رغم التصريحات الأميركية بتدمير جزء كبير من قطع الاسطول الإيراني، إلا أن التقديرات تشير إلى أن إيران تمتلك الالاف من هذه الصواريخ القادرة على التحرك بسرعة خاطفة، مستخدمة الصواريخ والمسيّرات التي تشكل تهديدا جديا للسفن العسكرية والتجارية في المنطقة. ترافق استعراض القوة هذا بتصريحات صارمة من أكثر من مسؤول إيراني للعودة إلى الحرب إذا استدعى الأمر ذلك.
في الداخل الإيراني يبرز إعلان نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد، أن طهران أعدّت مشروع قانون جديد لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، وأن سفن العدو الصهيوني لن يسمح لها بالمرور نهائيا، وبقية السفن ستحتاج إلى تصريح خاص من إيران. وفي تحديد البعد الاقتصادي للقانون أشار السيد محمد رضا رضائي إلى أن رسوم العبور ستقسّم بحيث، يذهب 30% منها لدعم القوات المسلحة، و70% لتحسين ظروف معيشة الإيرانيين.
في جانب الحلفاء تبرز تصريحات السيد محمد باقر قاليباف حول وحدة المسار السياسي الإيراني واللبناني، وأن إيران ملتزمة بحماية حزب الله والشعب اللبناني. تؤكد هذه التصريحات أن استمرار خروقات العدو لوقف إطلاق النار في لبنان، سينعكس سلبا على إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب. يدرك العدو الصهيوني أن شمول جنوب لبنان في الاتفاق النهائي يعني الحد من قدرته، ولفترة طويلة، على ضرب إمكانيات المقاومة التي ستخرج هي الأخرى منتصرة من هذه الحرب، لذلك يسعى بأقصى قوته وسرعته لفرض اتفاق “استسلام” على الحكومة اللبنانية، يسمح للدولة اللبنانية مدعومة من الأنظمة العربية وقوى دولية بسحب سلاح حزب الله وتحويله إلى منظمة سياسية. هذا الجهد “الإسرائيلي” تدعمه دولة الإمارات، التي ترى أن اتفاق وقف إطلاق نار لا يُجهز على محور المقاومة يعني العودة إلى توازن الدول الكبرى في المنطقة (إيران، السعودية، مصر، تركيا) وأن دورها الإقليمي الذي يتفوق كثيرا على حجمها السياسي سيتراجع بحدة. لذلك انخرطت دولة الإمارات في حلف كامل مع العدو الصهيوني، إلى درجة تجعلهما كيانا واحدا من ناحية المواقف السياسية.
من الواضح تماما أن سيناريو الحرب الكبرى قد تراجع إلى أبعد نقطة، إذا لم يكن قد زال بشكل نهائي، لكن هذا التراجع لا يعني حتمية التوصل إلى اتفاق في وقت قريب. فإمكانية “تجميد” الصراع وانتظار اللحظة المناسبة لإعادة إثارته قد تكون أحد السيناريوهات التي تعمل الولايات المتحدة على تطبيقها. خاصة وأن تجميد الحرب يضمن بقاء الوضع على حاله، أي وجود القطع البحرية الأميركية في مضيقي هرمز وعُمان، مما يسمح باستخدامها من حين لآخر لإبقاء إيران في حالة توتر واستنزاف.
تدرك إيران أن هذا السيناريو لن يسمح لها بقطف ثمار النصر الذي حققته في الميدان، وأنه سيُبقي البلاد عرضة لمؤامرات داخلية وخارجية تتحين الفرص للانقضاض عليها. يدفع هذا الإدراك إيران للمضي قدما في إقرار سلسلة من الإجراءات والقوانين والشروط التي تضمن لها الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتحفظ قدرتها على الدفاع عن أراضيها، وتسمح لها بلعب دور فاعل في القضايا السياسية الإقليمية.
لن يكون الاتفاق قريباً، لكنه آت دون شك لأن أي مواجهة واسعة يمكن أن تكبد الولايات المتحدة وحلفاءها خسائر لا يقدرون على تحملها سياسيا واقتصاديا، كما أنها ستنعكس على مجمل الاقتصاد العالمي الذي يحتاج إلى وقت طويل لاستعادة بعضا من عافيته بعد الحرب الأخيرة. ستجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم مضطرين لتقديم الكثير من التنازلات فيما يتعلق بدورهم السياسي في المنطقة، وستتقدم إيران وحلفاؤها خطوة أخرى على الطريق الذي رسمته منذ 7 أكتوبر: طريق القدس.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي