من فائض القوّة إلى حسابات المأزق… كيف تبدّلت المقاربة الإسرائيلية في لبنان؟

من فائض القوّة إلى حسابات المأزق… كيف تبدّلت المقاربة الإسرائيلية في لبنان؟

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

في الحروب الكبرى، لا تكشف التحوّلات الحقيقية عبر البيانات العسكرية وحدها، بل من خلال اللغة التي تبدأ بالتراجع قبل الجيوش. هكذا تبدو الصورة اليوم في المشهد الإسرائيلي تجاه لبنان: خطابٌ بدأ بسقفٍ مرتفع من الوعيد والحسم، لينتهي تدريجياً إلى نبرة أكثر حذرًا، أقرب إلى إدارة المأزق منها إلى صناعة النصر.

 

في الأسابيع الأولى للمواجهة، بدا المشهد في تل أبيب محكوماً بعقلية “إعادة تشكيل المنطقة بالقوة”، حيث جرى الحديث عن تغيير جذري للواقع الأمني في الجنوب اللبناني، وعن فرض معادلات ردع جديدة تضمن إبعاد التهديد لسنوات طويلة. لكن مع مرور الوقت، أخذت التصريحات الإسرائيلية تنزلق من لغة “الحسم” إلى لغة “الاحتواء”، ومن مشاريع التغيير الاستراتيجي إلى مجرد البحث عن تقليل الخسائر.

 

هذا التحوّل لا يرتبط فقط بالقرار السياسي، بل يعكس إدراكاً عسكرياً عميقاً بأن طبيعة الحرب نفسها تغيّرت.

 

فالميدان اللبناني لم يعد ساحة كلاسيكية يمكن حسمها عبر التفوق الجوي أو التكنولوجيا المتقدمة وحدها. دخول المسيّرات الانقضاضية الصغيرة، ذات الكلفة المحدودة والفعالية العالية، نقل المواجهة إلى مستوى جديد. هذه الأدوات لم تُربك البنية العملياتية الإسرائيلية فحسب، بل أصابت إحدى أهم ركائز العقيدة العسكرية لدى الاحتلال: السيطرة الإلكترونية والتفوّق التقني الكامل.

 

ومع تصاعد استخدام هذا النوع من المسيّرات، أصبحت حركة الجنود والآليات وحتى مراكز القيادة تحت تهديد دائم، ما حوّل أي تمركز برّي طويل إلى عبء مكلف ومفتوح على الاستنزاف. هنا تحديدًا يبدأ الخطر الحقيقي بالنسبة إلى إسرائيل: التحول التدريجي من حرب خاطفة كانت تسعى إليها، إلى حرب إنهاك طويلة لا تملك ترف خوضها.

 

الأكثر حساسية أن الأزمة لم تعد محصورة بالميدان. داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، بدأت تظهر مؤشرات التعب البشري. التحذيرات المتكررة بشأن إنهاك قوات الاحتياط ليست تفصيلاً تقنياً، بل تعبير عن حدود القدرة على الاستمرار في معركة مفتوحة زمنياً. فإسرائيل التي بنت استراتيجيتها التقليدية على الحروب القصيرة والحاسمة، تجد نفسها اليوم أمام نموذج معاكس تماماً: جبهة تستنزف الاقتصاد، وتضغط على المجتمع، وتعيد طرح أسئلة الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية.

 

وفي الداخل الإسرائيلي، يتحول هذا الاستنزاف تدريجياً إلى مادة صراع سياسي. المعارضة لم تعد تكتفي بانتقاد الأداء الحكومي، بل بدأت تطرح سؤالاً أكثر خطورة: ماذا حققت الحرب فعلياً؟ فحين تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية، يصبح أي استمرار في المواجهة عبئاً على صورة القيادة نفسها، لا سيما في بيئة سياسية مأزومة أصلاً.

 

لكن البعد الأخطر يتجاوز إسرائيل نحو واشنطن. الولايات المتحدة، التي تدعم تل أبيب استراتيجياً، لا تنظر إلى الحروب المفتوحة بمنظار عاطفي، بل من زاوية الجدوى السياسية والكلفة الجيوسياسية. وكلما بدا أن القوة العسكرية عاجزة عن إنتاج تسوية أو إنجاز واضح، تتراجع الحماسة الأميركية للاستمرار في تغطية نزاع بلا نهاية. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية، تصبح الحسابات أكثر تعقيداً، لأن الإدارة الأميركية تدرك أن الناخب الأميركي لا يحتمل الانخراط غير المحدود في حروب الشرق الأوسط.

 

وسط هذا المشهد، يبدو لبنان – رغم الجراح والانهيار الداخلي – أمام لحظة تفاوضية مختلفة. فالتاريخ العسكري في المنطقة يثبت أن الاحتلال حين يعجز عن تثبيت وقائع مستقرة على الأرض، يبدأ بالبحث عن مخارج سياسية تحفظ الحد الأدنى من صورته الاستراتيجية. ومن هنا، فإن أي تسوية مقبلة لن تكون انعكاساً لفائض قوة إسرائيلية كما أرادت تل أبيب في البداية، بل نتيجة توازن أكلاف فرضه الميدان تدريجياً.

 

المفارقة الكبرى أن الحرب التي بدأت تحت عنوان “استعادة الردع”، قد تنتهي بإعادة رسم حدود القوة نفسها. فليست كل الجيوش تُهزم بانكسار عسكري مباشر؛ بعضها يتراجع حين يكتشف أن الزمن لم يعد يعمل لصالحه، وأن الكلفة باتت أعلى من القدرة على الاحتمال.

 

في الشرق الأوسط، لا تسقط المشاريع الكبرى دفعة واحدة… بل تبدأ بالتآكل من داخل اللغة. وعندما تنتقل دولة من الحديث عن “تغيير المنطقة” إلى البحث عن “مخرج آمن”، فهذا يعني أن الميدان قال كلمته قبل أن تعترف السياسة بذلك.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram