لماذا يخطئ اللبناني غالباً في قراءة إيران؟

لماذا يخطئ اللبناني غالباً في قراءة إيران؟

 

Telegram

لماذا يخطئ اللبناني غالباً في قراءة إيران؟

تتكرّر في الخطاب اللبناني، عند كل لحظة ضغط أو تسوية، مقولة الخذلان أو "التخلّي": "تُركنا وحدنا، جرى بيعنا". تنبع هذه القراءة من ذاكرة سياسية لبنانية مثقلة بتجارب التخلي الدولي عن لبنان، خصوصاً خلال فترة المقايضات الكبرى.

 

ليلى نقولا

 

منذ بداية الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، تصاعد في لبنان نقاش سياسي وإعلامي حول موقع إيران ومآلات دورها الإقليمي.

 

وقد اتّسم هذا النقاش، بمعظمه، بإنتاج أحكام قطعية وسريعة: فإيران إمّا أنّها حقّقت نصرًا حاسمًا، أو مُنيت بهزيمة استراتيجية، أو قامت بـ "التضحية بحلفائها".

 

وقد زاد استعمال هذه العبارة الأخيرة داخل لبنان، مع توقف العمليات العسكرية على الأراضي الإيرانية، في وقت استمر التصعيد الإسرائيلي في الساحة اللبنانية، من خلال توسيع رقعة القصف، والمجازر وهدم القرى.

 

غير أنّ التجربة التحليلية تفيد بأنّ جزءًا كبيرًا من هذه الاستنتاجات لا يصمد أمام الفحص الدقيق. ويعود ذلك إلى خلل بنيوي في المقاربة، يتمثّل في قراءة دولة إقليمية ذات مشروع استراتيجي طويل الأمد من خلال عدسة تجربة لبنانية هشّة، قصيرة النفس، ومثقَلة بتاريخ داخلي شديد الخصوصية.

 

أولًا: إسقاط التجربة اللبنانية على كل شيء

يميل الفاعل السياسي اللبناني، بحكم تجربته التاريخية، إلى مقاربة السياسات الخارجية من منظاره الخاص: دولة تتّسم بهشاشة بنيوية، وتعدّد مراكز القرار، وخضوعها الدائم لمنطق التسويات الاضطرارية تفاديًا للانفجار الداخلي.

 

ضمن هذا الإطار، يُقرأ السلوك الإيراني، لدى كثيرين على الساحة اللبنانية، كما لو أنّه سلوك "نظام مأزوم" يسعى إلى الحدّ من الخسائر الآنية، ويخشى تحمّل كلفة المواجهة طويلة الأمد.

 

في الوعي السياسي اللبناني، تُقاس السياسة بمنطق الربح والخسارة السريعة: خسارة معيشية، عقوبات اقتصادية، أو اهتزاز داخلي. لذلك، عندما تتعرّض إيران لضغوط أو خسائر كبرى، يُسارع كثيرون إلى إعلان بداية انكفائها أو انهيار مشروعها الإقليمي، استنادًا إلى تجربة لبنانية تُترجَم فيها الضغوط الخارجية بسرعة إلى شلل داخلي.

 

غير أنّ هذا القياس يُغفل حقيقة أساسية: إيران دولة مركزية تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية أكثر تماسكًا نسبياً مقارنة بالحالة اللبنانية، رغم ما يعتريها أيضًا من تنافس داخلي وتحديات بنيوية.

 

ويغفل أيضاً أن إيران عاشت تحت ضغط سياسي واقتصادي منذ أكثر من أربعة عقود، وقد أعادت تكييف سياستها واقتصادها على هذا الأساس. هذا لا يعني أنّ العقوبات والضربات الأميركية- الإسرائيلية كانت بلا أثر، لكنها لن تؤدّي بالضرورة إلى النتائج التي يتوقّعها العقل السياسي اللبناني، أي الانهيار السريع أو التراجع الاستراتيجي الجذري.

 

ثانياً: الذاكرة الجماعية وعامل الوقت

تحكم الذاكرة اللبنانية الجماعية حساسية مفرطة تجاه العنف والحرب، نتيجة تجربة الحرب الأهلية، والاحتلال الإسرائيلي، والتهجير، والانهيارات المتكرّرة للدولة. لذلك، يتعامل اللبناني مع أي تصعيد عسكري بوصفه تهديدًا وجوديًا مباشرًا.

 

في المقابل، تنطلق المقاربة الإيرانية من ذاكرة جماعية مختلفة، تتّسم، من جهة، بحساسية عالية تجاه تفكّك الدولة والنزعات الانفصالية، لكنها، من جهة أخرى، مشبعة بثقافة الصبر الاستراتيجي وإدارة الصراع طويل الأمد.

 

تتعامل إيران مع عامل الزمن بوصفه موردًا استراتيجيًا، لا تهديدًا يجب تحييده سريعًا. فالخسارة المرحلية، ما دامت لا تطاول الثوابت البنيوية أو تخلّ بتوازن الردع في الإقليم، قد تُستوعب أحيانًا ضمن رؤية أوسع، وإن لم يؤدِّ ذلك دائمًا إلى نتائج ناجحة أو مستقرة.

 

من هنا، لا يمكن توقّع ردود فعل عاطفية أو استجابات ثأرية فورية من لاعب يغلب على مقاربته الطابع البراغماتي والحسابات الجيوسياسية. هذا لا يعني أن إيران لا ترتكب أخطاء استراتيجية، لكنها تجيد استخدام التفاصيل، والمراكمة، والعمل على حافة الهاوية.

 

ثالثاً: مقولة «التخلّي عن الحلفاء»

تتكرّر في الخطاب اللبناني، عند كل لحظة ضغط أو تسوية، مقولة الخذلان أو "التخلّي": "تُركنا وحدنا، جرى بيعنا". تنبع هذه القراءة من ذاكرة سياسية لبنانية مثقلة بتجارب التخلي الدولي عن لبنان خاصة خلال فترة المقايضات الكبرى.

 

تمّ التعامل مع لبنان، مرارًا، كمساحة قابلة للتصرّف، وتمت التضحية بلبنان لصالح تسويات بين الدول الكبرى والدول الإقليمية. وفي الذاكرة اللبنانية، تبرز تجربة اتفاق الطائف وغيرها من محطات المقايضة الدولية.

 

انطلاقًا من هذه التجربة، يتوقّع اللبناني من العلاقة مع الحليف (سواء كان دولة إقليمية أو دولة كبرى) أن تكون فورية، علنية، ومكلفة بلا سقف، بحيث يُقاس الالتزام بمدى الاستعداد للتدخّل المباشر في كل لحظة لإنقاذه. وبالمناسبة، يسري هذا التوقع لدى معظم القوى اللبنانية، وبالأخص حلفاء الولايات المتحدة الأميركية.

 

ينبع هذا التوقّع من تجربة لبنانية خاصّة، حيث التحالفات هشّة، والانقلابات سريعة، والتخلّي غالبًا مفاجئ ونهائي. غير أنّ هذا التوقّع لا ينطبق على مقاربة دول كبرى وإقليمية تدير شبكة تحالفات متعددة المستويات ولديها مصالح مختلفة عن رؤية اللبنانيين.

 

تميل بعض المقاربات اللبنانية إلى سوء تقدير آليات صنع القرار الإيراني، لكن إيران تتعامل مع حلفائها ضمن اعتبارات تتصل بالمصلحة الإقليمية وتوازنات القوة، بوصفهم جزءًا من معادلة إقليمية أوسع. وبالتالي، هي لا تنظر إلى عدم خوض معركة معيّنة، أو عدم رفع الكلفة إلى حدّها الأقصى، على أنه تخلٍ، بل قد يكون تعبيرًا عن إدارة مختلفة لتوزيع الأدوار وتوقيت المواجهة.

 

مع الإشارة إلى أنّ الحلفاء لا يشكّلون أطرافاً سلبية بالكامل، إذ يملكون أحياناً هامشاً للتأثير في إيقاع "الصبر الاستراتيجي" أو الدفع باتجاه تعديله وفق متطلبات المواجهة على الأرض.

 

في الخلاصة، إنّ أحد الأخطاء الشائعة في بعض القراءات اللبنانية لسلوك الدول الخارجية، يتجلى في استخدام أدوات تحليل وإطار تفسيري لا يتلاءم مع العلاقات الدولية التي تحكمها القوة والمصلحة.

 

وعليه، إن قياس سياسات الولايات المتحدة والحديث عن تخليها عن حلفائها، يغفل سيطرة المصالح على القيم في السلوك الدولي. وكذلك، إن تفسير سلوك دولة إقليمية كإيران (ذات نفس استراتيجي طويل) بمعايير تجربة دولة هشّة مأزومة داخلياً، يؤدّي حكماً إلى استنتاجات خاطئة. المشكلة ليست فقط في فهم إيران أو الولايات المتحدة، بل في فهم طبيعة السياسة الدولية نفسها.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram