كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في بلدٍ كلبنان، حيث الطوائف ليست مجرّد مكوّن اجتماعي بل نظام حكم قائم بذاته، لم يكن مستغرباً أن يحتدم السجال السياسي على وقع الملفات الساخنة، ولا سيما تلك المرتبطة بالمواجهة المفتوحة مع العدو الإسرائيلي، وما يرافقها من مسارات تفاوضية معقّدة تتجاوز الداخل اللبناني.
لكن ما تجاوز المألوف، هو الانحدار الخطير في الخطاب السياسي، الذي بلغ حدّ التخوين. فقد تعرّض رئيس الحكومة نواف سلام لحملة قاسية، تخطّت حدود النقد السياسي إلى التشكيك بالوطنية، في مشهد يعكس اهتزازاً عميقاً في قواعد الاشتباك الداخلي.
والأخطر، أن هذا التصعيد مرّ من دون ضوابط فعلية، في ظل غياب واضح لأي تدخل حاسم من رأس الدولة.
هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في فهم ما يجري.
فالتطور لم يبقَ محصوراً في الداخل، بل سرعان ما دخل العامل الإقليمي بثقله. الحضور السعودي، بقيادة ولي العهد الامير محمد بن سلمان، عبر ارسال موفده الامير يزيد بن فرحان،لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل حمل رسالة واضحة: رئاسة الحكومة خط أحمر.
هذا الموقف يعكس استمرارية الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية منذ عقود، كضامن للتوازن داخل النظام اللبناني، وخصوصاً في ما يتعلّق بالموقع السني في السلطة.
في المقابل، لا تبدو الصورة مختلفة على الضفة الأخرى. إذ تشير المعطيات إلى انخراط حزب الله في مسارات تفاوضية مع الجانب الإيراني، في سياق إقليمي أوسع، يعكس استمرار احتضان إيران للمكوّن الشيعي في لبنان، سياسياً واستراتيجياً.
وقد تُرجم ذلك عملياً في الدفع نحو تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ضمن التفاوض مع الأميركيين، ما يؤكد أن الساحة اللبنانية باتت بنداً ثابتاً على طاولة الترتيبات الإقليمية.
وسط هذه المعادلة، تتكرّس صورة لبنان كمساحة تقاطع نفوذ، لا كدولة مكتملة السيادة.
لكن الذروة، وربما الأخطر، كانت في استهداف رئاسة الجمهورية نفسها. فقد تعرّض هذا الموقع لحملات تخوين وهجوم غير مسبوقة، من دون أن نشهد أي اصطفاف داخلي أو خارجي للدفاع عنه.
حتى القوى التي يُفترض أن تشكّل حاضنته السياسية، بدت إمّا صامتة أو منقسمة.
الاستثناء الوحيد برز في موقف سامي الجميل، فيما بدا التباين واضحاً مع موقف سمير جعجع، وسط حديث عن صراع غير معلن مع الرئاسة. أما جبران باسيل، الذي اعتاد رفع لواء الدفاع عن موقع الرئاسة، فقد غاب عنه هذا الدور في لحظة مفصلية.
البعد البنيوي: من دولة الطوائف إلى نظام الوصايات المتوازية
لفهم عمق هذا التحوّل، لا بدّ من العودة إلى المسار التاريخي الذي تكرّس مع اتفاق الطائف، حيث جرى تثبيت توازن الطوائف كبديل عن قيام دولة مركزية قوية، عبر إعادة توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية والتشريعية، بما أضعف موقع الرئاسة الأولى لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً.
غير أنّ هذا التوازن، الذي أُريد له أن يكون مدخلاً للاستقرار، تحوّل تدريجياً إلى بنية هشّة، قابلة للاختراق الخارجي. فبدل أن تُنتج الدولة مؤسسات جامعة، كرّس النظام منطق الحصص، وفتح الباب أمام كل مكوّن للبحث عن امتداده الإقليمي كضمانة لبقائه في المعادلة.
ومع مرور الزمن، لم يعد هذا الارتباط تفصيلاً سياسياً، بل أصبح جزءاً من بنية النظام نفسه، حيث تتداخل الشرعيات الداخلية مع شبكات النفوذ الخارجية، إلى حدّ بات فيه القرار اللبناني موزّعاً بين أكثر من مركز قوة، بدل أن يكون محصوراً داخل مؤسسات الدولة.
وهنا تحديداً تتقاطع هذه الخلفية التاريخية مع المشهد الراهن.
فما نشهده اليوم ليس انحرافاً طارئاً، بل نتيجة طبيعية لهذا المسار:
حيث تتولى المملكة العربية السعودية حماية التوازن المرتبط برئاسة الحكومة، فيما تمارس إيران دور الراعي الاستراتيجي للمكوّن الشيعي عبر حزب الله.
أما المفارقة الأخطر، فتظهر في موقع رئاسة الجمهورية، التي تبدو خارج هذه الشبكة من الحمايات، ما يجعلها الأكثر عرضة للاهتزاز في لحظة إقليمية دقيقة.
الخلاصة السياسية
لبنان اليوم لا يعيش أزمة حكم تقليدية، بل يقف أمام تحوّل في طبيعة نظامه.
فالتوازن لم يعد يُدار من الداخل، بل يُضبط من الخارج، فيما تتراجع قدرة المؤسسات الدستورية على لعب دورها الجامع.
بين مظلّات الحماية الإقليمية، يصبح السؤال ليس من يحكم، بل من يُحمى… ومن يُترك.
في الكواليس، لا يبدو أن ما يجري مجرد فوضى سياسية.
ثمة خطوط تُرسم بصمت، ومواقع يُعاد تعريفها بعيداً عن الأضواء، حيث تختلط الحسابات المحلية بإيقاع الإقليم.
بعض المواقع محميّة بوضوح… وأخرى تُترك لتواجه مصيرها، وكأن في الأمر قراراً غير معلن بإعادة ترتيب الأولويات.
وفي هذا المشهد الضبابي، تقف رئاسة الجمهورية عند مفترق دقيق: لا هي في موقع المواجهة، ولا هي ضمن دائرة الحماية الكاملة.
لكن ما يبدو غامضاً في الشكل… يصبح أكثر وضوحاً في المضمون.
فاستهداف الرئاسة لم يُواجَه، لا داخلياً ولا خارجياً، وهذا بحد ذاته مؤشر يتجاوز حدود الصدفة.
هنا تحديداً يتحوّل السؤال من توصيف إلى اتهام مبطّن:
هل تتمكن رئاسة الجمهورية من استعادة دورها كحَكَم يوازن بين التوازنات الإقليمية،
أم أن القرار قد اتُّخذ بوضعها على سكة التراجع التدريجي… بصمت، ولكن بثبات؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :