لا تعرف كيف تعلّمهم هذه المهارة؟ تشرح الدكتورة ماري ديفيز الطريقة لتحقيق ذلك في كتابها الجديد "تعليم التفكير النقدي للمراهقين: كيف يمكن للأطفال أن يصبحوا أذكياء في التعامل مع الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والأخبار الزائفة ووسائل التواصل الاجتماعي". تحدثتُ إلى ديفيز، وهي محاضِرة أولى في التربية والممارسة الاجتماعية في جامعة أوكلاند بنيوزيلندا، حول ما الذي ينبغي على الأهل فعله، ولماذا يمكن أن يمنح ذلك الأطفال أيضًا أفضلية في سوق العمل.
الدكتورة ماري ديفيز: التفكير النقدي هو القدرة على طرح الأسئلة بعناية، وتحليل المعلومات أو الأفكار وتقييمها قبل اتخاذ قرار بشأن ما يجب تصديقه أو فعله. وغالبًا ما يتضمّن مراجعة الحجج المضادة وموازنة الأدلة لتحديد أي الادعاءات أو الحجج هي الأقوى.
ديفيز: إذا فهمت التفكير النقدي، فإنّ ردة فعل عقلك التلقائية، عندما تتصفّح أي شي على الإنترنت: "لحظة، هل هذا صحيح؟ ربما عليّ البحث عن معلومات إضافية. هل يسري هذا الأمر على الجميع؟".
إن تعليم المراهقين هذه المهارة وتطبيقها على كل شيء، لا على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، أفضل من حظرها. فمنعها لا يعني أنّ الأطفال سيستيقظون في عيد ميلادهم الـ16 ليصبحوا فجأة خبراء في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو ضليعين في كيفية عمل الخوارزميات. لذلك، عوض لومهم بالقول: "أنت تقضي وقتًا طويلًا على الشاشات"، فإن الأساس هو ترسيخ الشعور بالكفاءة الذاتية. فإذا فهمت كيف تعمل المنصات المختلفة والخوارزميات، ستكون أكثر وعيًا وذكاءً في التعامل معها.
وأعتقد أن هذا يمكن أن يساعد أيضًا، إلى حد ما، على إدارة القلق. فالقلق يرتبط بعدم الشعور بالسيطرة. وإذا كنت تمتلك مهارات التفكير النقدي، فستكون لديك أدوات تساعدك على الفهم والتحكم.
ديفيز: لتعزيز الفضول، يمكنكم قول أشياء مثل: "رأيتُ هذا الخبر للتو ومفاده كذا وكذا، يبدو ذلك مذهلًا. لنذهب ونبحث عن مزيد من المعلومات". أنت هنا تُظهر نموذجًا لسلوك البحث عن المعلومات، والاطلاع على مصادر أخرى، وأن تكون فضوليًا ومهتمًا بالعالم.
لن تقول لمراهق في الرابعة عشرة من عمره: "ما الدليل على ذلك؟". بل ستقول شيئًا مثل: "لستُ متأكدة من ذلك. ما الذي شاهدته أو سمعته ليجعلك تقول هذا؟".
إذا كان المراهقون لا يرون في المعلومات سوى ما يساعدهم على اجتياز الامتحانات، فإن كثيرين منهم يفقدون الاهتمام، لأنها تصبح مجرد وسيلة لتحقيق هدف. أما التفكير النقدي فيعزّز الفضول تجاه العالم، وهذا مفيد جدًا للاندفاع والمشاركة.
أريد تشجيع الأهل على استخدام صيغة "نحن"، والقول: "لنذهب ونبحث عن ذلك معًا". ويمكن الاعتراف بأنّ الأمر صعب على الجميع، وأنّنا جميعًا نتأثر بالخوارزميات، لذلك نحن في هذا معًا. من المهم ألا يشعر الأطفال بأنهم وحدهم.
ديفيز: تغيير رأينا في ضوء الأدلة أمر بالغ الأهمية. والأهم أن نكون قدوة في السلوك الذي نريده. يمكنك التحدث مثلًا عن مسارات الدراجات، وتقولين: "كنتُ أعتقد سابقًا أنني لا أريد مسار الدراجات في هذا الشارع لأنني لا أستطيع إيقاف السيارة هناك، لكنني غيّرت رأيي. أدركت الآن أنه أمر رائع لأنه يربط مسار الدراجات بتلك الشوارع الأخرى، وقد رأيت الكثير من الناس يستخدمونه".
ديفيز: غالبًا عندما يُطلب من المراهقين التحدث في المدرسة، يكون الأمر مرتبطًا بمهمة محدّدة. يقول المعلم: "أريدكم أن تنجزوا مخطّطًا فنيًا"، ثم يمر ويسأل الأطفال كيف يسير العمل. لكن من أجل إجراء محادثات غنية، سواء عبر الإنترنت أو وجهًا لوجه، يجب تعليمهم مهارات طرح أسئلة متقدّمة. وإلا فإنهم يميلون إلى استخدام لغة انفعالية أو إطلاق الأحكام بسرعة.
ومن أفضل المهارات التي يمكن لأي شخص اكتسابها ببساطة أن يسأل: "هل يمكنك إعطائي مثالًا على ذلك؟". فعندما يصبح الحوار تفاعليًا، يصبح التفكير أعمق، ويصبح الشخص مضطرًا لتقديم أمثلة وتبرير أفكاره بشكل أكبر.
يمكن للأهل أن يكونوا قدوة في ذلك، وأن يشجعوا المراهقين على استخدام هذا الأسلوب في ما بينهم.
ديفيز: إذا نشأتَ مع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المعلومات وتوليد الأفكار والتفكير بدلًا عنك، فإنك لن تطوّر تلك المهارات بنفسك. أما إذا لم تستخدم الذكاء الاصطناعي خلال طفولتك، وإذا كنت في مرحلة الطفولة ترسم وتبتكر وتبني بألعاب الليغو، فمن المرجح أن تصبح شخصًا أكثر إبداعًا.
إذا كنت تقوم بهذه الأمور بشكل طبيعي، فستكون موظفًا مرنًا جدًا. سيحبك صاحب العمل لأنك ستكون قادرًا على التكيّف بسرعة. جزء كبير من الحياة يتمثل بحلّ المشاكل، ولا يمكنك التنبؤ بتلك التي ستواجهها مستقبلًا. لذلك، إذا كنت تعمل في شركة ولم تتوقع أن تصبح الرسوم الجمركية مشكلة، فأنت بحاجة إلى أشخاص في الغرفة يمكنهم التفكير وحلّ المشاكل. لا يمكنك الاكتفاء باللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لحل المشاكل، لأنه يعتمد على البيانات الموجودة مسبقًا. أما إذا ظهرت مشاكل جديدة أو ناشئة، فأنت بحاجة إلى أشخاص قادرين على التفكير فيها بطرق جديدة ومبتكرة.
ديفيز: عند بلوغ الفتيات من العمر تقريبًا 11 عامًا والفتيان 12 عامًا، نمرّ بمرحلة من التغيّر العصبي. المادة الرمادية في أدمغتنا تكون في مرحلة المراهقة المبكرة في أعلى مستوياتها خلال حياتنا. لذلك، إذا كرّرتَ أنشطة بشكل مستمر، مثل تعلّم لعب التنس والخروج إلى الملعب يوميًا، فإن الروابط العصبية ستصبح أقوى. أما إذا لم تقم بشيء ما أبدًا، فلن تتطوّر تلك الروابط. فالروابط العصبية يتم "تقليمها" حرفيًا إذا لم نستخدمها، لكنها تُصبح أكثر ترسيخًا إذا استخدمناها.
ديفيز: إن مشاركة القصص والتجارب أمر مهم جدًا. أنا أتفهم تمامًا مدى انشغال الجميع، لكن تخصيص وقت للجلوس والحديث مع المراهقين له أهمية كبير لا يسعني تأكيد مدى أهميتها بما يكفي. ولا تدعوا الأبواب التي تُغلق بعنف تُثنيكم عن ذلك، فهذا سلوك طبيعي جدًا في سن المراهقة. هم يدفعونكم بعيدًا، لكنهم في الوقت عينه يبحثون عن القرب. وأشعر بالأسف تجاه المراهقين الذين يكونون طوال القامة، لأنهم قد يبدون كالبالغين، لكنهم ليسوا كذلك؛ إنهم مراهقون ويحتاجون إلى وقتكم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :