تتكثف على جبهة جنوب لبنان المؤشرات الإسرائيلية على تغيّر في تكتيكات حزب الله القتالية، بالتوازي مع تصاعد القلق داخل المؤسستين العسكرية والسياسية في تل أبيب حيال مسار المواجهة ونتائجها.
وزاد ما صرّح به قيادي عسكري في حزب الله من المؤشرات التي تعكف تل أبيب على دراستها. فقد لفت القيادي في تصريحات لقناة «الجزيرة» إلى أن الحزب «سيستخدم تكتيكات الثمانينيات ويفعّل مجموعات الاستشهاديين لمنع استقرار العدو»، وأشار إلى أن «مجموعات كبيرة من الاستشهاديين تنتشر في المنطقة المحتلة وفق خطط معدة مسبقاً»، موضحاً أن «مهمة الاستشهاديين الالتحام مع ضباط وجنود العدو في القرى اللبنانية المحتلة».
وفي السياق، برز سلاح المسيرات والمحلقات المتفجرة، كأحد أهم مكامن القلق الإسرائيلي في المعركة. فقد أفادت القناة 12 العبرية بأن حزب الله لجأ في الآونة الأخيرة إلى «استخدام مكثّف للطائرات المسيّرة المتفجرة كسلاح رئيسي»، بدلاً من الصواريخ والصواريخ المضادة للدروع، مشيرة إلى امتلاك الحزب طائرات مسيّرة تُشغَّل بواسطة الألياف الضوئية، ما يجعلها «مُحصّنة ضد وسائل الحرب الإلكترونية» لدى الجيش الإسرائيلي. وبحسب القناة نفسها، يمكن التحكم بهذه المسيّرات من مسافة تصل إلى 15 كيلومتراً، وتحمل ما يصل إلى 6 كيلوغرامات من المتفجرات، مع إقرار الجيش الإسرائيلي بتزايد استخدامها نظراً «لدقتها وصعوبة اعتراضها».
وفي السياق ذاته، لفتت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن هذه الطائرات تستهدف نقاط الضعف في دبابات «الميركافا»، لا سيما الجزء العلوي من البرج والفتحات الحساسة، ما يعزّز فعاليتها رغم التدريع الثقيل، في مشهد يُشبه إلى حد كبير تكتيكات الحرب الروسية – الأوكرانية.
ميدانياً، أعلنت المقاومة الإسلامية تنفيذ سلسلة عمليات، أمس الإثنين، شملت استهداف دبابة «ميركافا» في بلدة القنطرة، وإصابة جرّافة عسكرية من نوع D9 في بنت جبيل، إضافة إلى استهداف تجمّعين لجنود الجيش الإسرائيلي في الناقورة، وذلك باستخدام مسيّرات انقضاضية، مؤكدة تحقيق إصابات مباشرة في جميع العمليات.
في المقابل، تعكس التصريحات والتحليلات الإسرائيلية تصاعد القلق من هذا النمط القتالي. إذ اعتبر المراسل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يوسي يهوشع أن تهديد المسيّرات «لم يعد نامياً بل خطر قائم وحقيقي»، مرجّحاً أن يكون «الأكثر إشكالية حالياً في الساحة الشمالية» في ظل غياب ردّ فعّال عليه. كما أشارت الصحيفة إلى أن وحدات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية تحاول التعامل مع هذا التهديد، إلا أن حزب الله «يستهدف هذه الوحدات نفسها بالمسيّرات».
وحدات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية تحاول التعامل مع تهديد المسيرات إلا أن حزب الله «يستهدف هذه الوحدات نفسها بالمسيّرات»
بدوره، تحدث آفي أشكينازي في صحيفة «معاريف»، عن إقرارا داخل جيش العدو بفقدان المكاسب التي تحققت في جولات سابقة، بل وذهب إلى حد القول إن «إسرائيل خسرت الحملة الحالية في لبنان»، داعياً رئيس الأركان إلى التحرّك.
أما يوآف ليمور في صحيفة «إسرائيل اليوم»، فلفت إلى وجود انقسام متزايد بين جيش العدو والقيادة السياسية بشأن أهداف العدوان، مشيراً إلى أن ضباطاً كباراً أقرّوا بأن العمليات «لن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله». كما تحدّث ليمور عن شعور داخل الجيش بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسعى إلى تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية النتائج المحدودة في لبنان.
وفي الميدان، أقرّت الصحيفة نفسها بمقتل جندي وإصابة آخرين من لواء «غولاني» إثر هجوم نفّذه حزب الله في بلدة الطيبة (الأحد)، رغم سيطرة الجيش الإسرائيلي على مواقع عدة في جنوب لبنان، ما يعكس صعوبة تأمين الحماية لقواته ومستوطني الشمال.
وفي مؤشر إضافي على تدهور الوضع الأمني، أفاد موقع «حدشوت للو تسنزورا» بأن رؤساء بلديات في خط المواجهة، بينها نهاريا، قرروا إغلاق المؤسسات التعليمية لمدة 24 ساعة احتجاجاً على التطورات الأمنية.
وتخلص التقديرات الإسرائيلية، وفق «إسرائيل اليوم»، إلى أن تل أبيب «وقعت في فخ استراتيجي» كانت تعتقد أنها نصبته لحزب الله، محذّرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يحوّل الأشهر المقبلة إلى «شتاء لبناني دامٍ» بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي.
المُحلّقات الانقضاضية: معضلة العدو المعقدة
لم تعد معركة «العصف المأكول» 2026 التي تخوضها المقاومة دفاعاً عن لبنان وشعبه بوجه العدوان الإسرائيلي، مجرد مواجهة تقليدية بين جيش نظامي وحركة مقاومة، بل تحوّلت إلى ساحة عمليات معقّدة كشفت تحوّلات عميقة في طبيعة الحرب اللامتكافئة، مع بروز «المُحلّقات الانقضاضية» (FPV) الموجّهة بالألياف الضوئية كسلاح حاسم أعاد تشكيل ميزان الاشتباك.
هذا السلاح، منخفض الكلفة مقارنة بالمنظومات العسكرية الثقيلة، نجح في كسر التفوق الجوي الإسرائيلي على الارتفاعات المنخفضة، مستفيداً من تقنية التوجيه عبر الألياف الضوئية التي ألغت الحاجة إلى البث الراديوي ونظام الـGPS، ما جعله محصناً عملياً ضد وسائل التشويش الإلكتروني، بحسب تقرير لمركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. وبذلك، وجدت منظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية نفسها عاجزة أمام مُسيّرات «صامتة» تنقض بدقة عالية على أهدافها.
ميدانياً، اعتمدت المقاومة تكتيكات متقدمة، أبرزها الهجوم العمودي على الدبابات لتجاوز منظومة «معطف الريح»، عبر استهداف النقاط الأضعف في سقف «الميركافا» أو تحييد رادارها أولاً. كما برز تكتيك «الضربة المزدوجة» الذي يجمع بين الصواريخ الموجهة والمُحلّقات لضمان تدمير الهدف، إلى جانب استخدام «أسراب المُحلّقات» لتنفيذ هجمات متزامنة أربكت منظومات القيادة والسيطرة الإسرائيلية.
وخلال 38 يوماً، نُفذت 73 عملية بهذا السلاح، بمعدل يقارب عمليتين يومياً، استهدفت الدبابات وناقلات الجند، وآليات الهندسة، إضافة إلى مراكز القيادة والتجمعات العسكرية. كما استُخدمت المُحلّقات في استهداف قوات المشاة داخل المباني، مستفيدة من قدرتها على المناورة والدخول عبر النوافذ، ما عزّز فاعليتها في حرب المدن.
هذا الاستخدام المكثف أدى إلى إعماء تكتيكي للعدو وشلّ حركته الميدانية، حيث تحوّلت عدة مناطق حدودية إلى «مربعات موت»، وعجزت القوات الإسرائيلية عن المناورة أو تثبيت مواقعها، تحت تهديد دائم من ضربات دقيقة وغير مرئية.
في المقابل، عكست التصريحات العسكرية والإعلامية الإسرائيلية حال صدمة واضحة، مع إقرار بعدم وجود حل فعّال لهذه المُحلّقات، في ظل تأثيرها النفسي الكبير على الجنود الذين اضطروا إلى الاحتماء المستمر وتجنب التحرك المكشوف.
في المحصلة، لم تعد المُحلّقات الانقضاضية مجرد أداة تكتيكية، بل تحوّلت إلى عنصر حاسم في فرض «الردع الميداني»، ومنع العدو من تثبيت سيطرة برية أو فرض وقائع جديدة، ما يعكس تحولاً جوهرياً في معادلات الحرب الحديثة، حيث باتت الأدوات البسيطة نسبياً قادرة على تقويض تفوق عسكري تقليدي عالي الكلفة.
وتُظهر الأرقام تركيزاً واضحاً على استهداف الدروع الثقيلة، إذ شكّلت دبابات «الميركافا» الهدف الأبرز، مع تسجيل عشرات الإصابات المباشرة، بينها عمليات استهدفت أكثر من دبابة في ضربة واحدة، كما في القنطرة ودبل وعيناتا. كذلك طاولت العمليات ناقلات الجند المدرعة وآليات «النميرا». كما استهدفت المُحلّقات آليات الدعم والهندسة، ولا سيما جرافات (D9) وآليات «الهامر»، في محاولة لشل القدرة اللوجستية ومنع التقدّم الميداني.
كما برز استهداف تجمعات الجنود كأحد أبرز أنماط العمليات، حيث تكررت الضربات ضد قوات متمركزة في العراء أو داخل مبانٍ، مع تسجيل إصابات مباشرة ومتكررة في بلدات مثل القوزح، القنطرة، والبيّاضة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :