ممر واخان والقيود الاستراتيجية للهند

ممر واخان والقيود الاستراتيجية للهند

 

Telegram

بيروت – (آيكون نيوز): حظيت المنطقة المحيطة بممر واخان بأهمية جيوسياسية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، حين رسّخت بريطانيا وروسيا نفوذهما على طول هذا الممر الحدودي. ومنذ ذلك الحين، مثّلت المنطقة حاجزًا بين القوى الكبرى في المنطقة. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١ والحرب اللاحقة في أفغانستان، حافظ ممر واخان على أهميته الاستراتيجية. وفي السنوات الأخيرة، أبدت الصين اهتمامًا متزايدًا بتطوير الربط عبر الممر، بما في ذلك جهود تحسين البنية التحتية التي تربط مقاطعة بدخشان بمنطقة ياركند في شينجيانغ.

وقد أتاح هذا التطور فرصًا جديدة للتجارة والتعاون الاقتصادي بين أفغانستان والصين، ولكنه يثير أيضًا تساؤلات استراتيجية هامة بشأن دور الهند المستقبلي في المنطقة. ويعكس توسع التجارة الأفغانية، الذي يقارب ١٤ مليار دولار، طموحات متنامية في مجال الربط مرتبطة بممرات مثل واخان.

وبُذلت عدة مبادرات لتطوير طرق جديدة وشبكات ربط مصممة لربط ممر واخان بأجزاء أخرى من أفغانستان والدول المجاورة. ورغم أن معظم هذه المشاريع لا تزال في مراحلها الاستكشافية، إلا أنها تُظهر اهتمامًا متزايدًا باستخدام الممر كطريق تجاري نشط. ووفقًا لمسؤولين أفغان، يجري العمل حاليًا على تطوير بنية تحتية تربط ولاية بدخشان بمنطقة شينجيانغ الصينية عبر ممر واخان، بالإضافة إلى جهود أوسع لتعزيز الربط عبر الحدود في نظام نهر آمو داريا، بالاعتماد على البنية التحتية القائمة التي تربط أفغانستان بآسيا الوسطى. ويمكن أن يُسهم التنفيذ الناجح لهذه المشاريع في ترسيخ مكانة أفغانستان كمركز عبور إقليمي، وزيادة العلاقات الاقتصادية بين الدول المجاورة. وفي الوقت نفسه، ترتبط هذه التطورات ارتباطًا وثيقًا بالأهداف الاستراتيجية والاقتصادية الشاملة للصين في المنطقة.

كما استثمرت الصين بكثافة في مشاريع تطوير البنية التحتية المتنوعة في جميع أنحاء أفغانستان، وتعهدت بتقديم مليارات الدولارات للمساعدة في استغلال ثروات أفغانستان المعدنية الهائلة. ومع ذلك، ورغم تنامي الوجود الاقتصادي الصيني في أفغانستان، تواجه بكين تحديات في إنشاء روابط لوجستية مستقرة وفعالة بين غرب الصين وشرق أوروبا. ومن بين البدائل المتاحة استخدام الصين للجزء الشمالي من مبادرة الحزام والطريق، حيث تُنقل البضائع عبر كازاخستان وقيرغيزستان. ولهذا السبب، تواصل الصين البحث عن خيارات ربط إضافية، بما في ذلك خيار استخدام ممر واخان.

أما بالنسبة للهند، فإنّ التداعيات الاستراتيجية لهذه التطورات كبيرة. فالممر لا يقع فقط بالقرب من جيلجيت-بالتستان، وهي منطقة متنازع عليها، بل إنّ دمجه في شبكة ربط تقودها الصين، وحقيقة أنّ الممر يمكّن بكين من توسيع نفوذها في أفغانستان، تُثير مخاوف من انقطاع الهند عن آسيا الوسطى، وفقدانها نفوذها على أفغانستان، وتهميشها في نهاية المطاف ضمن أوراسيا المتغيرة باستمرار. ويمثل تحوّل ممر واخان من منطقة عازلة تاريخية إلى قناة ربط ناشئة نقطة تحوّل محورية للهند: فهل ستستمر في مراقبة الأحداث الجارية في المنطقة من بعيد، أم ستُعدّل استراتيجيتها لمواكبة الظروف المتغيرة بسرعة؟

إعادة تنشيط واخان الاستراتيجية والديناميكيات الإقليمية الناشئة

ساهمت مجموعة من العوامل في تحويل ممر واخان من عائق جغرافي إلى قناة ناشئة للربط، بما في ذلك الجغرافيا الطبيعية، وتطوير البنية التحتية، ونمو الموارد الطبيعية، وتغيرات الجغرافيا السياسية. يقع الممر في سلسلة جبال بامير، المعروفة باسم "سقف العالم"، ويمكن الوصول إليه عبر ممر واخجير الذي يبلغ ارتفاعه 4923 مترًا والمؤدي إلى الصين. إلا أنه لا يزال غير سالك بسبب نقص الطرق الحديثة وقلة التواجد الحكومي. ورغم صعوبة تجاوز العوائق المادية، تُبذل جهود حثيثة للبناء على مبادرات البنية التحتية السابقة ودمج الممر في شبكات الربط الإقليمية الأوسع .

ويُعدّ تطوير البنية التحتية عاملاً أساسياً في تطور ممر واخان. ورغم أن الصين تتعامل بحذر مع مساعيها لإنشاء ممر ربط عبر هذا الممر نظراً للمخاوف الاقتصادية والأمنية، إلا أن دافعها الأساسي هو الحصول على طريق مباشر ومُحكم إلى أفغانستان. وفي الوقت الراهن، لا تزال الصين تعتمد بشكل كبير على البنية التحتية الخارجية لنقل البضائع، مما يُعرّض الطرق التي أنشأتها وتديرها جهات أجنبية للمخاطر. لذا، تسعى بكين إلى تطوير طريق بديل لتقليل اعتمادها على شبكات النقل الحالية.

ومن بين الدوافع المهمة الأخرى التي تحفز اهتمام الصين بإنشاء ممر تجاري جديد عبر ممر واخان إلى أفغانستان، إدراكها أن الطرق التجارية الحالية التي تربط أفغانستان بالأسواق الخارجية غير آمنة. وتهدف الصين، من خلال إنشاء رابط مباشر مع أفغانستان، إلى توفير ممرات تجارية أكثر أمانًا وموثوقية. كما تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في الاقتصاد الأفغاني. فمن خلال استثمار مليارات الدولارات في قطاعات مثل النحاس والليثيوم والنفط والمعادن النادرة الأخرى، تُظهر الصين رؤية طويلة الأمد تركز على تأمين الوصول إلى الموارد المعدنية الأفغانية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى ممر واخان على أنه ركيزة لوجستية تدعم استثمارات الصين المتزايدة في قطاعي التعدين والبنية التحتية في أفغانستان، وقد أدى الانخراط الاقتصادي الصيني أيضًا إلى وجود محدود ولكنه ملحوظ للمواطنين الصينيين في أفغانستان، على الرغم من أن التهديدات الأمنية المستمرة تحد من توسعهم.

إضافةً إلى تعزيز الأمن الصيني على حدودها الغربية، وبالتالي تسهيل احتواء النشاط المتطرف المنتشر من أفغانستان إلى شينجيانغ ، يُوفر ممر واخان موقعًا مباشرًا ومناسبًا للصين لمعالجة المخاوف المتعلقة بانتشار حركة تركستان الشرقية الإسلامية (ETIM) وجماعات أخرى مثل تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان (ISKP) . ونظرًا لقربه من شينجيانغ، يُمثل الممر منطقة حدودية حساسة بالنسبة للصين، ويقع ممر واخجير في قلب هذه المنطقة. ولذلك، تتخذ الصين خطوات لمنع تسلل المتطرفين عبر الحدود، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية الحدودية والتنسيق مع حركة طالبان لإنشاء طرق وقواعد إمداد لأفراد أمن الحدود.

تغيرات الديناميات الإقليمية: باكستان، طالبان، وتقلص مساحة الهند

تتزامن عملية إعادة تنشيط ممر واخان مع تحولات هامة في منطقة جنوب آسيا، لا سيما بين باكستان والحكومة الأفغانية بقيادة طالبان. ورغم اختلاف منظور كل طرف تجاه الممر، إلا أن مصالحهما تتشابك بشكل متزايد.

وبالنسبة لباكستان، يُمثل الممر فرصةً للتواصل المباشر مع آسيا الوسطى، وبالتالي ترسيخ مكانتها كإحدى أهم الوسطاء الجيواقتصاديين في المنطقة. مع ذلك، ثمة مؤشرات تُنذر بتراجع هذه المكانة. فإذا نجحت الصين في تطوير بنية تحتية فعّالة عبر ممر واخان إلى أفغانستان، ستفقد باكستان الكثير من جاذبيتها كممر عبور رئيسي في التخطيط الجيوسياسي الشامل لبكين، لا سيما بالنظر إلى مصالح الصين في المنطقة في ضوء الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. وتواجه باكستان تحديًا آخر يتعلق بمكانتها كممر عبور رئيسي، نتيجةً لتصاعد العنف ضد المواطنين الصينيين والهجمات المتكررة على الاستثمارات الصينية، الأمر الذي أثار استياءً متزايدًا لدى المسؤولين في بكين. ونتيجةً لذلك، يبدو أن بعض أعضاء المجتمع الاستراتيجي/الدفاعي الباكستاني يُعيدون النظر في موقفهم من خطط الصين في أفغانستان. وتشير محاولات بعض العناصر داخل المؤسسة الأمنية الباكستانية، ولا سيما جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI) ، لعرقلة أنشطة الصين المستقلة في أفغانستان إلى وجود تنافس محدود على النفوذ. تجري مناقشات أيضاً حول دمج ممر واخان في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني أو زيادة السيطرة عليه، مما يؤكد أهميته المستمرة في حسابات باكستان الاستراتيجية طويلة الأمد. وهذا يزيد من تعقيد موقف الهند، حيث لا تزال باكستان تشكل عائقاً جغرافياً واستراتيجياً أمام أي مشاركة هندية مباشرة في ممر واخان.

من جهة أخرى، تنظر حركة طالبان إلى الممر كفرصة لتعزيز استقلالها الاستراتيجي. فبعد عودتها إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، تبنت طالبان سياسة خارجية متعددة الأبعاد ومنفتحة على العالم. وبالنسبة لكابول، يُعدّ تطوير البنية التحتية في ممر واخان جزءًا من مساعيها الأوسع لتصوير أفغانستان كمركز عبور إقليمي، مع إشراك شركاء مثل الهند في الوقت نفسه من خلال التعاون التنموي والإنساني. إلا أن سيطرة طالبان على الممر تحدّ في الوقت نفسه من قدرة باكستان على استخدامه لأغراضها الخاصة. وفي الماضي أيضًا، حاولت باكستان بسط نفوذها في ممر واخان؛ إلا أن التطورات التي أعقبت أغسطس/آب 2021 تشير إلى أن طالبان قاومت هذا التوغل، معززةً سيطرتها ومؤكدةً على استقلالها الاستراتيجي. ولذلك، فبدلاً من أن يكون الممر وسيطًا محايدًا، أصبح منصةً تُمكّن أفغانستان من التواصل المباشر مع الصين وغيرها من الجهات الفاعلة الإقليمية ذات الصلة، وهو ما يُساهم في تفاقم التوترات القائمة بين إسلام آباد وكابول، أي النزاعات الحدودية واتهامات التدخل.

أما بالنسبة للهند، فتمثل هذه التطورات انكماشاً مستمراً للخيارات الاستراتيجية المتاحة لها في جوارها المباشر. ويزيد التعاون المتزايد بين الصين وحركة طالبان، إلى جانب مساعي باكستان للحفاظ على نفوذها اقتصادياً أو سراً، من احتمالية خلق بيئة تجد فيها الهند نفسها مستبعدة بشكل متزايد من القرارات التي تؤثر على جوارها الممتد، وغير قادرة على المساهمة بشكل فعّال في صياغة النتائج.

المعضلة الاستراتيجية للهند: جغرافيا بلا منفذ

سعت الهند إلى تجاوز قيودها الجغرافية عبر مبادرات ربط بديلة، مثل تطوير ميناء تشابهار في إيران ومشاركتها في ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب. إضافةً إلى ذلك، استثمرت الهند تاريخياً في البنية التحتية والتنمية المؤسسية في أفغانستان. مع ذلك، لم تُترجم هذه الجهود إلى وصول استراتيجي مستدام إلى آسيا الوسطى، لا سيما في ظل تطور أطر الربط التي تقودها الصين.

ونتيجةً لتزايد انخراط الصين في جيلجيت-بالتستان، تشعر الهند بالقلق من اكتساب الصين نفوذًا أكبر في منطقة تمتد من شينجيانغ عبر الأراضي التي تحتلها باكستان وصولًا إلى أفغانستان. إذا تمكنت الصين من تحقيق ذلك، فلا شك أن نفوذها الاستراتيجي في المناطق ذات الصلة بالأمن القومي الهندي، لا سيما على طول خط السيطرة الفعلية وعبر جبال الهيمالايا، سيتعزز بشكل أكبر. تاريخيًا، سعت الهند إلى ممارسة نفوذ استراتيجي في المنطقة من خلال الاستثمار المالي في قاعدة فرخور الجوية في طاجيكستان، التي وفرت موقعًا استراتيجيًا لمراقبة تحركات كل من باكستان والصين. نظرًا لقربها من ممر واخان، لطالما شكلت طاجيكستان إحدى البوابات المحتملة القليلة للهند إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، إلا أن هذا الموطئ المحدود أثبت عدم كفايته في موازنة النفوذ الإقليمي الصيني المتنامي. مع فقدان الهند إمكانية الوصول إلى هذه القاعدة الجوية، تضاءلت قدرتها على ممارسة النفوذ في المنطقة بشكل كبير.

ومن بين الشواغل الاستراتيجية الأخرى التي تواجه الهند، تزايد فرص الربط عبر ممر واخان. ومن المرجح أن تُعزز هذه التطورات التعاون الثلاثي أو المتعدد الأطراف بين الصين وباكستان وأفغانستان في جهودها الاقتصادية والأمنية على طول حدود الهند. ومما يثير القلق بشكل خاص أن هذا التعاون المتزايد يأتي في وقتٍ تشهد فيه مناطق مثل لاداخ نزاعات، وتحتفظ باكستان بسيطرتها على جزء كبير من الأراضي المتنازع عليها في كشمير الخاضعة لسيطرتها.

كما تواجه الهند اليوم مفارقة استراتيجية، فرغم قربها الجغرافي من ممر واخان، لا تزال معزولة عن التأثير في ديناميكيات التواصل التي تشهدها المنطقة. وبينما يتعين على الهند التصدي لتنامي النفوذ الصيني، عليها أيضاً إعادة تقييم استراتيجيتها القارية الأوسع. وما لم تتحرك سريعاً، فإنها تخاطر بأن تُنظر إليها كفاعل هامشي في منطقة بالغة الأهمية لأمنها على المدى البعيد.

فرصة أم وهم؟ خيارات الهند المحدودة في ظل المشهد المتغير

تثير الأهمية المتزايدة لممر واخان تساؤلات هامة حول نظرة الهند إليه. فهي تطرح تساؤلاً حول ما إذا كان يمثل فرصةً لتعاون استراتيجي مستقبلي، أم أن الهند قد أضاعت هذه الفرصة بالفعل. ورغم أن الممر يوفر نظرياً أقصر طريق بري إلى آسيا الوسطى، إلا أن الوضع الجيوسياسي الراهن يُقيّد قدرة الهند على استغلاله أو التأثير في نتائجه. فباكستان تسيطر على المنطقة الفاصلة بين البلدين، بينما تواصل الصين توسيع نفوذها في أفغانستان. كما ازداد تقارب حركة طالبان مع بكين، مما يُضيّق خيارات الهند على المدى القريب. مع ذلك، فإن مساعي طالبان الأخيرة للتواصل، واصفةً الهند بأنها "شريك إقليمي مهم"، تُشير إلى إمكانيات تعاون محدودة ولكنها آخذة في التطور.

لا يُمثل تزايد أهمية ممر واخان مجرد فرصة ضائعة للهند، بل يُسلط الضوء على قصور هيكلي أعمق في استراتيجيتها القارية. فعلى الرغم من قربها الجغرافي، لا تزال الهند مُستبعدة من التأثير في نتائج الربط الإقليمي بسبب العوائق السياسية، والتحالفات الإقليمية المتنافسة، وتوسع النفوذ الصيني. وبينما يبقى الانخراط المحدود عبر المساعدات الإنسانية والدبلوماسية المُدروسة ممكنًا، فمن غير المرجح أن تُعوض هذه التدابير الخلل الاستراتيجي الأوسع. وما لم تُعيد الهند النظر في نهجها تجاه الربط الإقليمي وتُطور استراتيجيات إقليمية أكثر مرونة، فإنها تُخاطر بالتهميش طويل الأمد في نظام أوراسي مُترابط بشكل متزايد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram