محاولة الاغتيال ومؤشر Trump war

محاولة الاغتيال ومؤشر Trump war

 

Telegram

 

 

د. راشد الشاشاني

 

على أهمية الحدث وضخامة وقعه على العالم بأسره؛ إلا أن ترامب لم يكن مستعدًا لتلقف حمل جديد فوق أحماله، بعيدًا عن التفصيل الفني والتقني لعملية الهجوم، التي تحتمل من التأويلات ما لا يسمح بتوجيه اتهام حاسم لجهة سياسية ما؛ فعلاوة على بساطة عملية التنفيذ وسذاجتها عند قياسها بعمليات الاغتيال المدفوعة بدوافع سياسية، وفوق اعتبارات سيرة الفاعل، قد يكون الهجوم مخططًا مدبرًا، وقد يكون عفويًا ظهر في لحظته، بغض النظر عن مشروعية حمله السلاح في مكان تواجده. في عمليات الاغتيال هناك هدف ذهبي يفوق هدف إصابة الشخص المستهدف، هو: عدم معرفة جهة التخطيط؛ لهذا يُستعان في تحقيق هذا الهدف باستخدام أحزمة ناسفة، أو شخص غير الفاعل يتولى قتله أو تهريبه، وهو ما لم يحدث، على الأقل لم يتبين أن شيئًا شبيهًا بهذا كان جزءًا من العملية.

 

في صعيد السياسة يبدو أن - على غير ما يتوقع الكثيرون - أسهم ترامب هبطت أكثر في مؤشر "Trump war". لقد بدا واضحًا هذا في ارتباك تصريحه عند لحظة واحدة جمعت بين الحاجة إلى ضخامة الحدث والضرورة إلى تقزيمه. لقد استعمل إعدادات القداسة التي تخزنها فكرته حول سياسة أمور البلاد، التي لا تفهم القداسة من جانب الروحانيات التي يحاول فيها لبس "الحجابات" الواقية من حسد الداخل وتربص الخارج. قداسة هذه البلاد تنبع من أمن لا يمكن أن يبدأ من مكان مختلف عن جيب المواطن الذي ترك بعض قادته قافلة دعم ترامب ذاته، متحولًا إلى رجمه بذات الأحجار حين شكّله بشكل المسيح الدجال.

 

فيما يتعلق بحاجة التضخيم: كان ترامب يميل من ناحية المهمة المقدسة التي تسنت له مقاليد نثرها على العالم من خلال موقعه الذي يحكم فيه مصير الناس وأحلامهم في مساحة الأرض كلها. ليس هذا فحسب: القداسة هذه أوجبت عليه - من وجهة نظره - أن يتحمل أعباء مواجهة إيران وقدرتها النووية والتسليحية التي انتهت - بحسب تصريحه ذاته - إلى هذا الاستهداف؛ بغية تقويض مسعاه لأمن وسلام العالم بأسره؛ فهي نتيجة حتمية - برأيه - لمن يصنع صنيعه المقدس.

 

في ذات العبارات، وقبل أن يضع بينها فواصل التنقيط؛ برق في ذهن ترامب أن تضخيم الحدث يعني حكمًا ختم صك إدانة لنفسه أمام الديمقراطيين الذين أنهكتهم محاولات تحديد صلاحياته في الكونغرس - ومعهم غيرهم أيضًا - على ما اقترفت يداه بحق شعب الولايات المتحدة قبل غيرها. ليس هذا فحسب؛ بل سيطرت حالة الذهول هذه على تشكيل صورة الرعب الذي ألمّ به - أكثر مما فعلت حالة إطلاق النار ذاتها - حين تصور أن اتهامات الشارع وامتعاضه في طريقها إلى الاتحاد مع الديمقراطيين في صورة غير عادية تدفع إلى قلب المألوف؛ حين يسير عدد لا بأس به من أتباعه خلف سياسات خصومه؛ واضعًا نصب عينيه أمورًا أصعب بكثير من فكرة التجديد النصفي القادمة، استدرك معها ضرورة التذكير بحل داخلي سلمي للخلافات؛ مضطرًا لتعداد كل أقطاب السياسة الأمريكية دون أن يركز في استهدافها عينًا، وهو يحافظ على اتهامه للديمقراطيين، راكبًا عبارات عامة تخص إمكانية أن تكون العملية قد حاولت استهداف غيره من المسؤولين. عموم الكلمة يعني أنه: قد يكون مسؤول أمن مدخل الاستقبال واحدًا منهم.

 

في صعيد آخر وعلى جانب الارتكاز الإسرائيلي: لم يسعد ترامب كثيرًا بفرحة نتنياهو هذه، التي هبطت من سماء حيرة كانت تربك نتنياهو كلما فكّر بطريقة يدفع بها لاستئناف القتال مع إيران، في مقابل عدم قدرة ترامب على التحرّك بأي اتجاه سيجعل منه - بما لا يدع مجالًا للشك - عقدة شدّ بين إسرائيل وإيران، لن يكون هناك خاسر فيها أكثر منه. علينا أن نرى ذلك ونحن ننظر إلى عدم وجود مصلحة لنتنياهو لا بقتل ترامب ولا حتى بضعفه، ولو استطاع تقديم معونة ما له لفعل، ولو أراد نتنياهو تدبير عملية كهذه بهدف دفع ترامب للسير وفقًا لهواه؛ لأحكم ضبطها بطريقة لا تؤدي إلى معرفة الفاعل أو القبض عليه. هذا المصير الذي انتهى إليه نتنياهو مع ترامب شكّل واحدة من درجات الهبوط في مؤشر اندفاع وتفاؤل ترامب.

 

أما في صعيد العدو إيران، فإن محاولة الاغتيال هذه - إن صحت تصوراتها - تقطع طريق ترامب الذي سلك فيه طريق تهريب الخطط، حين أوقف الهجمات على إيران وراح يعبث متسللًا خلف خطوط هذه الهدنة؛ مستعملًا ميادين لبنان، العراق والاحتياط في باب المندب، في وقت لا تريد فيه إيران تأزيم موقفها حتى تذهب فيه إلى محاولة سخيفة وفاشلة كهذه. لم يتمكن ترامب من جمع لواصق كافية لنسبتها إليها، مفضلًا فصل الحادثة عن حرب إيران، سنترك تفاصيل ذلك لما بعد.

 

نختم بالتذكير بما قلناه سابقًا حول عدم اكتراثنا بالمعلومات الاستخباراتية الأمريكية التي أسقطت ثقة ترامب بمسؤوليه الذين راحوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر بفعل انقلاب ترامب ذاته عليهم. لن تكون عملية الاغتيال هذه إلا ضربة قاسية لجدار الثقة بمن حوله، لن تدفعه إلى التغييرات في أشكالهم فقط، بل في مهماتهم كذلك. قد لا يكون تخاذلهم هذا مقصودًا، ربما كان مجرد عدم اكتراث أوجدته حالة الضعف التي انتهى إليها ترامب وعدم الثقة بتصوراته. فوق هذا وذاك: جرأة ترامب ذاته سيطاله التغيير أيضًا، سواء أكان في الداخل أو الخارج. يبدو أن تصريحاته من الآن فصاعدًا لن تكون بالمجان، سيبدأ أو أنه بدأ فعلًا بدفع ضريبة استهلاك الكلام كلما وجد نفسه بعيدًا عن زوجته بعض الشيء.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram