لم تكن صورة الاجتماع الذي جمع النائب أشرف ريفي بالنائب فيصل كرامي مجرّد تفصيل عابر في المشهد السياسي، بل بدت كخلاصة مسار طويل من التوتر المتراكم بين ريفي و”القوات اللبنانية”، مسار انتهى إلى قناعة واضحة لدى ريفي بأن موقعه الطبيعي يجب أن يُعاد تثبيته داخل طرابلس، لا أن يبقى جزءاً من حسابات خارجية تسعى إلى استخدامه كـ”حصان طروادة” للدخول إلى المدينة.
في العمق، لا ينفصل هذا التحول عن طبيعة العلاقة التي حكمت تواصل ريفي مع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وهي علاقة لم تستقر يوماً على توازن فعلي. فطريقة التعاطي التي اعتمدتها “القوات” قامت على إدارة العلاقة من موقع متقدم، سواء عبر الإيحاء بامتلاك قنوات حصرية مع الخارج، أو من خلال محاولة فرض إيقاع سياسي موحّد على الحلفاء بما يتجاوز خصوصياتهم المحلية.
ومع تراكم هذه العوامل، بدأت الهوة تتسع تدريجياً إلى أن بلغت ذروتها في محطة مفصلية تمثّلت بمرحلة ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون، حيث برز تفضيل “القوات اللبنانية” لاسم النائب فؤاد مخزومي في سياق طروحات رئاسة الحكومة. هذا الخيار لم يُقرأ من قبل ريفي كخيار سياسي عابر، بل كإشارة مباشرة إلى إعادة ترتيب الأولويات على حسابه، وتكريساً لتراجع موقعه داخل هذا التحالف.
ورغم دخول وسطاء على خط إعادة وصل ما انقطع، ومحاولات تنظيم العلاقة مجدداً، إلا أن هذه الجهود بقيت شكلية إلى حد بعيد، ولم تنجح في معالجة جوهر الخلاف. ومع الوصول إلى “مؤتمر معراب 3”، تحوّل التباين إلى خلاف علني. فإصرار ريفي على إلقاء كلمته بنفسه لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل تعبيراً عن رغبته في تثبيت حضوره السياسي، في حين جاء رفض “القوات” لهذا الطرح، وإسناد الكلمة إلى شخصية أقل تمثيلاً، ليُفسَّر كخطوة إقصائية أثارت استياءه وكرّست القطيعة.
ضمن هذا السياق، لا يمكن فصل لقاء ريفي وكرامي عن هذه الخلفيات، إذ يعبّر عن إعادة تموضع واضحة، عنوانها العودة إلى الداخل الطرابلسي وإعادة بناء التوازنات من داخل المدينة نفسها. فاللقاء يتجاوز البعد الشخصي ليحمل دلالات سياسية أوسع، مرتبطة بإعادة رسم الاصطفافات داخل الساحة السنية، في لحظة تشهد فيها هذه الساحة تحولات متسارعة.
وفي موازاة هذا التحول، برزت إشارة لافتة تمثّلت بعدم استقبال الموفد السعودي يزيد بن فرحان لريفي، في مقابل استقباله النائب فيصل كرامي على رأس وفد نيابي سنّي، في خطوة عكست تبايناً واضحاً في مقاربة التعاطي مع القيادات السنية. هذا التفصيل، وإن بدا بروتوكولياً في الشكل، يحمل في مضمونه دلالات سياسية عميقة، لا سيما أن كرامي يُعدّ من المقرّبين من بن فرحان، ما يعزّز موقعه في المعادلة الإقليمية. في المقابل، يضع هذا المشهد ريفي أمام تحدٍّ إضافي وحرج سياسي، ويطرح تساؤلات حول موقعه في خريطة العلاقات الخارجية في المرحلة المقبلة.
وبهذا التوتر، يكون ريفي قد أغلق عملياً باب طرابلس نيابياً بوجه “القوات اللبنانية”، إذ لم يعد للحزب أي حليف سنّي داخل المدينة. وفي المقابل، لا يبقى أمام “القوات” سوى الرهان على حليف سنّي وحيد هو النائب فؤاد مخزومي، في ظل قطيعة شبه كاملة مع الشارع الشيعي، ما يكرّس عزلتها في معادلة التوازنات الداخلية.
وعليه، تبدو الصورة أبعد من مجرد تقارب ظرفي، بل أقرب إلى إعلان غير مباشر بأن مرحلة العلاقة مع “القوات اللبنانية” وصلت إلى حدودها، وأن ريفي قرر إعادة صياغة موقعه السياسي انطلاقاً من معادلة مختلفة، قوامها أولوية المدينة على التحالفات، وإعادة الاعتبار لميزان القوى المحلي في مواجهة أي محاولات فرض معادلات من خارجها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :