خاص "𝐢𝐜𝐨𝐧𝐧𝐞𝐰𝐬"
كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في أعقاب العدوان الأميركي على إيران، لم تبقِ تداعيات المواجهة ضمن حدودها الجغرافية، بل تمددت سريعًا إلى الداخل اللبناني، حيث دخل حزب الله على خط الاشتباك، في خطوة فاجأت القريب قبل البعيد، وفرضت إيقاعًا جديدًا على معادلات القوة.
اللافت، وفق ما أقرّت به أوساط العدو، أنّ الحزب لم يخرج من جولات الاستنزاف السابقة كما كان يُروَّج، بل ظهر بقدرات عسكرية أعيد ترميمها وتطويرها، لا سيما على مستوى الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أعاد رسم حدود الاشتباك ورفع منسوب القلق لدى خصومه.
في الداخل، ترافقت هذه التحولات مع حالة ترقّب سياسي حذر، بلغت حدّ التهيّب من ردّة فعل الحزب، خصوصًا بعد ما اعتبره استهدافًا سياسيًا وإعلاميًا طال بيئته. هذا الاحتقان انفجر مع موقف نائب رئيس المجلس السياسي الوزير محمود قماطي، الذي لوّح بإسقاط الحكومة في الشارع، ناقلًا المواجهة من الأطراف إلى قلب المعادلة اللبنانية.
عند هذه اللحظة المفصلية، استشعرت المملكة العربية السعودية خطورة الانزلاق، فقررت التدخل بشكل مباشر. فأرسلت موفدها يزيد بن فرحان إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، حاملاً رسالة واضحة: الحكومة خط أحمر، وممنوع إسقاطها في الشارع أو الذهاب إلى مواجهة داخلية.
أمام هذا الموقف الحازم، جاء ردّ “الثنائي” سريعًا، حيث جرى امتصاص التصعيد والإعلان عن التراجع عن خيار التظاهر وإسقاط الحكومة، في خطوة عكست إدراكًا لحساسية المرحلة ولثقل الرسالة السعودية.
لكن التدخل السعودي لم يقتصر على منع الانفجار، بل فتح في المقابل بابًا سياسيًا مختلفًا. فقد طُرح على نبيه بري تقديم مقاربة لكيفية تطبيق اتفاق الطائف، بما يواكب المرحلة ويحفظ التوازنات القائمة.
في هذا السياق، لم يتخذ النقاش طابع المبادرات الأحادية، بل جاء نتيجة مسار تفاعلي بين نبيه بري والجانب السعودي، حيث جرى تبادل مقاربات وأفكار حول كيفية مقاربة تطبيق اتفاق الطائف بما ينسجم مع التحولات السياسية الراهنة.
وقد تركز هذا النقاش على مجموعة من العناوين الإصلاحية التي يشكّل الطائف مرجعيتها الأساسية، من بينها تطوير آليات توزيع السلطة، واعتماد المداورة في وظائف الفئة الأولى، إلى جانب البحث في قانون انتخاب خارج القيد الطائفي مع الحفاظ على المناصفة، فضلًا عن إعادة تفعيل بند إنشاء مجلس الشيوخ كمدخل لمعالجة الهواجس الطائفية ضمن إطار مؤسساتي.
وبذلك، لم يعد الطائف مجرد مرجعية دستورية جامدة، بل تحوّل إلى مساحة تلاقٍ تُطرح ضمنها الأفكار وتُخضع للنقاش، في محاولة لصياغة مقاربة متدرجة تراعي توازنات الداخل اللبناني وتتشابك في الوقت نفسه مع إيقاع التفاهمات الإقليمية.
هذا المسار لم يكن معزولًا عن الإقليم، إذ تشير المعطيات إلى أنّ القنوات المفتوحة بين المملكة العربية السعودية وإيران لعبت دورًا في تسهيل هذا الحراك، بل وربما في توفير غطاء غير مباشر له، بما يعكس تقاطع مصالح مرحلي بين الطرفين في إدارة الاستقرار اللبناني.
ما جرى لم يكن مجرد تدخل لاحتواء أزمة حكومية، بل اختبار دقيق لقدرة اللاعبين الإقليميين على إدارة لبنان من دون كسره. المملكة العربية السعودية أوقفت الانفجار، وإيران لم تعترض… وبينهما يُعاد إحياء اتفاق الطائف بهدوء.
غير أنّ هذا المسار، وعلى الرغم من طابعه التوافقي، انعكس توجّسًا واضحًا لدى المكوّن المسيحي، الذي ينظر تاريخيًا إلى التسويات الكبرى في لبنان بعين القلق، على اعتبار أنّ كلفتها غالبًا ما تقع على توازناته ودوره في النظام. فكلما اقتربت القوى من تسوية، ارتفعت الهواجس من أن تكون على حسابه، سواء في توزيع السلطة أو في إعادة تعريف الشراكة.
وهنا يكمن السؤال الأكثر حساسية: هل تكون التسوية المقبلة إعادة تثبيت للتوازن، أم إعادة صياغة له على حساب طرف يشعر أصلًا بأنّه يدفع الثمن في كل مرة؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :