مع تعقّد المشهد بين إيران والولايات المتحدة الأميركية من جديد، عقب الإعلان عن إعادة إغلاق مضيق هرمز وتصاعد حدة التصريحات المتبادلة بين الطرفين، وعدم الاتفاق على عقد الجولة الثانية من المباحثات، تتجه الأنظار إلى انعكاسات ما يجري على الساحة اللبنانية، في ظل الترابط بين المسارات الإقليمية والداخل، وهدنة العشرة أيام الهشة بين لبنان وإسرائيل، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية من جهة والاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 55 بلدة جنوبية من جهة ثانية، بالتوازي مع حديث إسرائيلي عن فرض ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، والسماح لإسرائيل بمواصلة تدمير المباني والبنى التحتية التي تصنف تهديدا داخل الخط الأصفر. هذا التطور يفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة، إذ إن أي اهتزاز في التفاهم الأميركي–الإيراني قد ينسحب مباشرة على الساحة اللبنانية، التي تعيش أساساً على وقع وقف إطلاق نار غير مستقر.
أمّا لبنان الرسمي، فقد بدأ البحث في مرحلة ما بعد الهدنة والجهوزية للمفاوضات، وهو ما حضر على طاولة البحث بين رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام في قصر بعبدا، حيث جرى تقييم التطورات الأمنية والديبلوماسية، والبحث في تثبيت وقف إطلاق النار والتحضير للمرحلة المقبلة، بما في ذلك الجهوزية للمفاوضات. كما تناول اللقاء سبل تسهيل عودة النازحين وتعزيز حضور الدولة، لا سيما عبر تنفيذ قرارات مجلس الوزراء المتعلقة ببسط السلطة.
وبحسب معلومات "المدن" فهناك تحضيرات تجري لعقد اجتماع رئاسي ثلاثي للاتفاق على المرحلة المقبلة والاستحقاقات التي تنتظر لبنان.
لبنان أبرز عقد التفاوض
دولياً، يبقى التنافس على أشده بين إيران وأميركا. وتتكثف المؤشرات على ترابط الملفات الإقليمية، إذ أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار أن بلاده تعمل على تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن لبنان يشكّل إحدى أبرز عقد التفاوض بين الطرفين. وأوضح أن طهران تربط أي اتفاق بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، فيما تحاول واشنطن فصل هذا الملف عن مسار التفاوض النووي والأمني.
إسرائيل تفرض الخط الأصفر
ميدانياً، تواصل إسرائيل خروقاتها في جنوب لبنان، وسط حديث عن فرض ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" ومنع عودة السكان إلى 55 قرية حدودية، بالتوازي مع إعلانها استمرار عمليات تدمير البنى التحتية خلال فترة الهدنة. وفي هذا السياق، ادعى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي رصد مخربين اقتربوا من قواته جنوب الخط الأزرق، مشيراً إلى تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي "لإزالة التهديد"، ومؤكداً أن الجيش سيواصل عملياته "من دون قيود" خلال وقف إطلاق النار تحت عنوان الدفاع عن النفس. والأخطر ما أفادت به شبكة "سي إن إن" الأميركية، نقلاً عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي، بأن إسرائيل تعتزم فرض ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" في جنوب لبنان. وهو نفس التكتيك الذي استخدمته إسرائيل لتقسيم قطاع غزة، حيث يحدد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" منطقة يحتلها الجيش الإسرائيلي كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي منطقة محظور على السكان دخولها. وقال مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي، خلال إحاطة إعلامية إنه "سيتم استنساخ نموذج (الخط الأصفر) المطبق في غزة ليتم تنفيذه أيضاً في لبنان، وقد حدد الجيش بالفعل (خطاً أصفر) تعمل قواته حالياً وصولاً إليه".
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن "أي مسلح يقترب من القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو يعبر هذا الخط سيجري استهدافه فورا، مع السماح بمواصلة تدمير المباني والبنى التحتية المصنفة تهديدا داخل النطاق المحدد". فيما أشارت الإذاعة إلى أنه لا يُسمح بتنفيذ هجمات في بيروت أو البقاع أو جنوب لبنان خارج نطاق "الخط الأصفر"، وذلك في إطار ترتيبات وقف إطلاق النار القائم، وفق ما نقلته الإذاعة العسكرية.
يعكس هذا توجهاً إسرائيلياً مباشراً لترسيخ واقع ميداني دائم في جنوب لبنان. واقع يتجاوز حدود الهدنة المؤقتة، عبر إنشاء منطقة خاضعة للسيطرة بالنار، من خلال فرض شريط حدودي خالٍ من السكان، بما يكرّس واقعا ديمغرافيا جديدا في تلك المناطق. والنطاق الأمني الذي تسعى تل أبيب إلى تثبيته هو عمق قد يصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
في السياق، وعلى رغم وقف إطلاق النار، بقي الجنوب في مرمى الاستهداف الاسرائيلي. فقد نفذت اسرائيل سلسلة تفجيرات في الخيام فجرا وبنت جبيل صباحا ضمن عملياتها المستمرّة داخل الاراضي المحتلة بالتدمير الممنهج للمنازل والبنى التحتية. كذلك نفذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف عنيفة جدًا استهدفت بلدات الخيام والقنطرة وشمع وبنت جبيل والبياضة.
حزب الله يصعّد وتيرة خطابه السياسي
في المقابل، ارتفعت حدة الخطاب السياسي لدى حزب الله، إذ أكد النائب عن كتلة "الوفاء للمقاومة" حسن فضل الله أن أي مسار تفاوضي يجب ألا ينطلق من موقع ضعف، مشدداً على رفض أي صيغة شبيهة باتفاق 17 أيار، معلناً أن "من يريد أن يكون أنطوان لحد سنقاتله". كما أشار إلى ضرورة الاستفادة من المناخ الإقليمي الممتد من إيران إلى السعودية وباكستان في رسم الخيارات الوطنية.
بدوره أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي في تصريح تلفزيوني أن الحزب لا يسعى حالياً إلى تغيير الحكومة، معتبرًا أنها قد تُسقط نفسها نتيجة أدائها. وأشار قماطي إلى أنه "بعد الانتصار، ستكون الدولة أمام خيارين: إما الاعتذار من الشعب والتراجع عن قراراتها بحق حزب الله، أو مواجهة غضب شعبي سلمي قد يؤدي إلى إسقاطها".
وخلال جولة له في الضاحية الجنوبية لبيروت، أشار قماطي إلى أن "رئيس الجمهورية شكر القاتل والمجرم ولم يشكر من أنقذنا وهي إيران"، معلناً أنه "ستكون للأمين العام لحزب الله خريطة مفصلة للمرحلة المقبلة سيتم الإعلان عنها"، لافتاً إلى أنه "إذا أصر رئيسا الجمهورية والحكومة على طريق المفاوضات المباشرة فإنهما في طريق ونحن في طريق". كما دعا أبناء جنوب لبنان إلى عدم العودة الآن والاستقرار في قراهم.
قتيل وجرحى من اليونيفيل
و برز حدث خطير، بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مقتل جندي فرنسي في قوات اليونيفيل وجرح اخرين. وذلك بعد اشتباك في بلدة الغندورية مع شبان تابعين لحزب الله، وحمل ماكرون الحزب مسؤولية ما حصل في حين نفى الحزب مسؤوليته عن الحادثة. من جهتهم استنكر الرؤساء الثلاثة الحادثة وطالبوا بتحقيق فوري لكشف الملابسات ومحاسبة المرتكبين. كما استنكرت قيادة الجيش الحادثة التي جرت مع دورية من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل في منطقة الغندورية - بنت جبيل، على أثر تبادل لإطلاق النار مع مسلحين ما أدى إلى وقوع إصابات بين عناصر الدورية.
في المحصلة، يبقى السؤال هل يصمد وقف إطلاق النار في لبنان في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة جديدة من التصعيد المرتبط مباشرة بمسار التفاهمات الدولية؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :