تساءل المحرر الدبلوماسي في صحيفة “الغارديان” باتريك وينتور إن كانت الحرب على إيران تعني بداية لعهد جديد من توازن القوى، وإن كان ما حدث هو لحظة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تماما كما حدث للإمبراطورية البريطانية عندما هاجمت مصر عبد الناصر، أم أن الأمر هو مجرد عاصفة عابرة؟
وقال وينتور في تقريره، إن ولع ترامب بتصوير كل حدث بعبارات كارثية هو ما يسمح للمعلقين المحافظين، مثل مارك ليفين، بالإشادة به ووصفه بأنه “رئيس لا يتكرر إلا مرة كل قرن”.
ومع ذلك، لا يمكن لترامب أن يمضي فترة رئاسته بأكملها على حبل مشدود دون أن يسقط في النهاية، وقد يجر أمريكا معه إلى انحدار حاد نحو المجهول.
وأضاف وينتور أن ترامب يحب تصوير أوروبا على أنها مهددة حضاريا نتيجة للمهاجرين، لكنه هدد هذا الأسبوع بأن حضارة عمرها 7000 عام “ستموت، ولن تعود أبدا” إذا لم تمتثل لمطالبه. وسرعان ما اكتشف أن هذا التهديد لا يمكن تنفيذه، واضطر إلى الانسحاب منه في مهمة إنقاذ قادتها باكستان والصين أيضا، وهو أمر مخز بالنسبة له. وتراجع ترامب عن تهديده في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قبل 88 دقيقة فقط من التهديد الضمني بتدمير إيران.
وليست هذه المرة الأولى التي يتجاهل فيها ترامب تاريخ إيران الحافل بالصمود، كما كتب الكاتب الإيراني الراحل محمد إبراهيم باساتاني باريزي ذات مرة: “أحيانا يكون مصير هذه المملكة معلقا بشعرة، لكن تلك الشعرة لا تنقطع”. وأمام رفض إيران التراجع، والذي تجسد في تطوع ملايين الإيرانيين للوقوف على جسور وطنهم، سارع البيت الأبيض في وقت متأخر من الليل إلى محاولة يائسة لإيجاد مبرر لإنهاء أحدث مناوراته الخطيرة بشكل شبه لائق قبل الموعد النهائي المشؤوم.
فقد كانت فوضى ليلة الثلاثاء من صنع ترامب نفسه، بما في ذلك ادعاء الإدارة الأمريكية بأن “سوء فهم مشروعا” دفع إيران إلى الاعتقاد بأن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، كما أصر الوسطاء الباكستانيون. وبالمثل، أكد البيت الأبيض أن قبول ترامب الصريح، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بأن خطة النقاط العشر ستشكل “إطار المحادثات”، كان في الواقع إشارة إلى خطة أخرى أقل حدة لم يتم الكشف عنها بعد.
وبحلول يوم الخميس، لم يكن هناك أي اتفاق بشأن ما تم الاتفاق عليه لضمان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
ويقول دبلوماسيون إيرانيون إن التفسير بسيط. فترامب، بمجرد أن أدرك فشل الدبلوماسية القسرية وأن مضيق هرمز لن يعاد فتحه، وعد الوسطاء الباكستانيين بأكثر مما كان ينوي الوفاء به. ويقول الإيرانيون إن اهتمامه الوحيد كان التحلل من المسؤولية.
وليست هذه المرة الأولى خلال عقد من تعاملاته مع إيران، فقد أثبت ترامب ومن وجهة نظر طهران، أنه شخص لا يوثق به على الإطلاق.
وفي مواجهة سيل من الانتقادات من اليمين، ومع إدراكه أن رئاسته بأكملها مهددة بمشروع تعهد خلال حملته الانتخابية بالتخلي عنه، يتردد ترامب في قبول عواقب أخطائه. ومن بين هذه الأخطاء، خطيئته الأصلية المتمثلة في سذاجته وتصديقه لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عندما قال إن هذه الحرب يمكن كسبها في أيام.
وأضاف وينتور أن تردد ترامب في مواجهة الانتقادات العالمية، في إصدار أمر بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، لهو دليل على مدى ترابط مصير الزعيمين. ومع ذلك، يدرك البيت الأبيض أن إيران لا تستطيع التخلي عن حزب الله بعد كل ما عاناه بالاستجابة لدعوة طهران للتدخل.
ومع قلة الحلفاء المتبقين في الشرق الأوسط، وتصاعد العداء، لا يمكن لإيران أن تظهر بمظهر من يتخلى عن حليفها الشيعي الأهم.
وقد وجد ترامب نفسه عالقا تماما كناقلات النفط التي تنتظر تصريح الحرس الثوري الإيراني لعبور مضيق هرمز.
وإذا أراد المرء أن يرى وضع ترامب الحالي، فما عليه إلا أن ينظر حوله من الفوضى المذهلة التي تعم العالم، حيث يواجه الأمريكيون أسعارا باهظة للبنزين تصل إلى 4 دولارات للغالون. ويعاني الاقتصاد العالمي من اضطراب هو الأسوأ في تاريخ سوق النفط، ويتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو وارتفاع التضخم عالميا.
أما منطقة الخليج فتبدو فيها هالة الاستقرار والحداثة المصطنعة هشة فجأة. وسيستغرق الأمر سنوات عديدة قبل أن تعيد قطر توظيف صناعة الغاز المسال لديها. وفي مؤشر على تغير الأوضاع، ستوقف الخطوط الجوية البريطانية رحلاتها إلى جدة اعتبارا من أيار/مايو، تحسبا لانكماش السياحة. وينتظر مجلس التعاون الخليجي المنقسم، نقاشا معقدا حول الأمن الذي يوفره السماح للولايات المتحدة بإنشاء هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية في المنطقة.
وفي داخل إيران، تعرضت مدارس وجامعات ومراكز أبحاث طبية للقصف. وقد بدأت إيران عام 2026 وهي غارقة في أزمة اقتصادية. وهو ما أدى إلى واحدة من أكبر موجات الاحتجاجات الشعبية منذ سنوات، والتي قمعها النظام بوحشية. والآن، أصبحت المظاهرات الوحيدة في الشوارع استعراضات للتضامن الوطني مدعومة من النظام، وتبدو الحكومة الإيرانية أقوى.
وقد تضاءلت احتمالات تغيير النظام، أو على الأقل إعادة النظر في توجهاته الأيديولوجية. فقد استبدل خامنئي، الذي كان يعاني من الضعف، بآخر في منصب المرشد الأعلى. وربما خسر الحرس الثوري العديد من المباني ومنصات إطلاق الصواريخ، لكنه لم يفقد القدرة على إحداث الفوضى في الخليج، والسيطرة على مضيق هرمز، و”إدارة” المجتمع المدني، وهي المعايير الحقيقية لسلطته.
في الوقت الراهن، لا يزال مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب قائما.
مع ذلك، هناك خطر من أن تبالغ القيادة الإيرانية، في تقدير قوتها. فقد اقترح وزير الخارجية الإيراني السابق، جواد ظريف، في مجلة “فورين أفيرز” هذا الأسبوع، أنه مقابل تخفيف العقوبات، ينبغي على طهران الحد من تخصيب اليورانيوم محليا وتخفيض مخزونها الحالي من المواد النووية ونقل اليورانيوم المخصب إلى اتحاد متعدد الأطراف جديد، وإعادة فتح مضيق هرمز. وقد حظيت الخطة بدعم الرئيس السابق حسن روحاني، لكنها قوبلت بانتقادات لاذعة من المتشددين في وسائل الإعلام المحافظة وفي المظاهرات.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة تفتقر إلى نظرية للتغيير التدريجي داخل إيران، مفضلة القطيعة والثورة على الإصلاح الذي يبدو أن معظم الإيرانيين يفضلونه.
وأمام هذا القدر من عدم الكفاءة والتهور، تواجه أوروبا الآن خيارا صعبا بشأن مدى جديتها في الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة. ويقول وينتور إن لأوروبا الحق، وإن على المدى القريب، أن تغضب، كما بدأ رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في إظهار ذلك. فقد استبعدت أوروبا من المفاوضات النووية ورفضت دعم حرب لم تستشر بشأنها ولم تر ضرورة لها. ومع ذلك حملها ترامب مسؤولية رفض “الوقوف إلى جانب” الولايات المتحدة.
ويبقى السؤال مطروحا: هل هذه أزمة السويس الأمريكية، فشل ذريع، أم مجرد “عاصفة عابرة”؟ لكن الحروب، ولا سيما تلك التي تدار بشكل خاطئ، تسرع من وتيرة التغييرات القائمة. وأوجه الشبه مع السويس كثيرة جدا بحيث لا يمكن تجاهلها. ففي مواجهة تأميم قناة السويس، أعلن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أنتوني إيدن، أنه لا يمكن “السماح لجمال عبد الناصر بالتدخل في شؤوننا”.
ورد ناصر قائلا إنه إذا لم يعجب البريطانيين والفرنسيين ما فعله، فليموتوا بغيظهم. وفرضت بريطانيا وفرنسا عقوبات، وعقدت لندن مؤتمرا ضم 15 دولة للتأكيد على الحقوق القانونية لجمعية مستخدمي قناة السويس. ومع تعثر الدبلوماسية، فكر إيدن حتى في اغتيال ناصر.
وعندما وضعت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل خطة لإعادة احتلال قناة السويس وإزاحة جمال عبد الناصر، تدخل الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور لإيقافها. فلم يوافق الرئيس الأمريكي على تصرفات بريطانيا لأسباب عديدة، منها اعتباره السويس حرفا غير ضروري عن صراع أهم في شرق أوروبا، ألا وهو القمع الوحشي الذي مارسه الاتحاد السوفييتي لانتفاضة في المجر. وكانت أستراليا الدولة الوحيدة التي أيدت بريطانيا، بينما هددت باكستان بالانسحاب من الكومنولث.
وفي النهاية، فما كانت بريطانيا تأمل بمنعه بتصرفاتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، نجحت في ضمان حدوثه. فقد حافظت مصر على سيطرتها على القناة بدعم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة. وأُغلقت القناة أمام حركة الملاحة لمدة خمسة أشهر نتيجة إغراق سفن من قبل المصريين. وأصبح وصول بريطانيا إلى الوقود والنفط محدودا، مما أدى إلى نقص حاد. وخرج ناصر من الأزمة أكثر قوة، وانكشف تراجع بريطانيا في الشرق الأوسط. كان هارولد بيلي، الدبلوماسي البريطاني في وزارة الخارجية آنذاك والذي شغل لاحقا منصب سفير بريطانيا لدى مصر، يعتقد أن أزمة السويس كانت “مغامرة كارثية” أظهرت أن بريطانيا لم تعد قادرة على فرض إرادتها من خلال عمل عسكري واسع النطاق.
ولطالما تم تداول القصص عن نهاية الإمبراطورية الأمريكية، فقد قال مايكل كوكس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، في ندوة عقدت الشهر الماضي: “إذا انتهى العصر الأمريكي، فلن يخبر أحد الأمريكيين بذلك، وبالتأكيد فلن يخبروا ترامب، لكننا قد نكون في وضع متناقض ظاهريا، حيث لا تزال الولايات المتحدة اللاعب المهيمن في العالم، لكنها لا تروج لنظام ليبرالي، وهذا في رأيي هو جوهر المشكلة”.
وعندما سئل كوكس عمن سيكون مهندس النظام الجديد في غياب الولايات المتحدة، أجاب: الصين. وفي الندوة نفسها، أجاب البروفيسور جون إيكينبيري، أحد أبرز منظري العلاقات الدولية الليبرالية في العالم، بأن النظام الليبرالي قد يعود. وأصر أستاذ جامعة برينستون على أن مزايا النظام الليبرالي – التجارة الحرة، والمؤسسات التي تنفذ القواعد، والديمقراطية، والترابط – لا تزال قوية وأكثر جاذبية من البدائل، بما في ذلك “مناطق مجزأة من القمع الإمبراطوري المصغر”.
وفي ندوة أخرى في كلية لندن للاقتصاد، جادلت عالمة السياسة ناتالي توتشي بشأن ضرورة تسريع وتيرة العمل الدفاعي، وجعله أوروبيا بامتياز. وأشارت إلى أن تغييرا جوهريا قد طرأ على أمريكا، تلك القوة الليبرالية المهيمنة، فـ”لم تعد ليبرالية ولا مهيمنة”.
وربما كان ترامب، كشخصية، حالة شاذة نادرة الحدوث، حسبما يرى ليفين، ولكنه أيضا، وفي نظر توتشي، ليس سوى غيض من فيض، حيث ستؤدي قوى هيكلية لا رجعة فيها إلى تقليص الهيمنة الأمريكية. وإذا صح ذلك، فستكون من المفارقات العجيبة أن إيران، التي تعتبر اسميا دولة متخلفة، بمثابة حاضنة لعصر جديد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :