في سياق استمرار الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران، أعادت موجة الإقالات الأخيرة، التي طالت عدداً من كبار الضباط في المؤسسة العسكرية الأمريكية، طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة ما يجري داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
وقبل أيام، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” عن تقاعد رئيس أركان الجيش الأمريكي المُقال “راندي جورج” وبشكلٍ فوري.
ووفق ما أكّده خبيران في الشأن السياسي لـ”الأيام نيوز”، أن هذه الإجراءات غير المسبوقة تعكس توجهاً نحو إعادة تشكيل الجيش على أسس قد تمس باستقلاليته المهنية، مع تحذير من مخاطر “تسييس” المؤسسة وربطها بأجندات أيديولوجية.
كما أشار الخبيران إلى أن الإقالات الأخيرة لا يمكن فصلها عن حالة ارتباك وتباين داخل مراكز القرار، مع وجود مؤشرات على ضغوط قد تدفع نحو خيارات تصعيدية، قد تمتد تداعياتها إلى مواجهة أوسع في المنطقة.
وفي هذا الصدد، يرى الخبير في الشأن السياسي، مأمون أبو عامر، أن الإقالات الواسعة التي شهدتها المؤسسة العسكرية الأمريكية في الفترة الأخيرة تثير الكثير من التساؤلات والشكوك، خاصة في ظل استبعاد عدد معتبر من كبار الضباط ذوي الكفاءة العالية.
سابقة غير مألوفة..
وأفاد أبو عامر في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المعطيات المتوفرة تشير إلى إقصاء ما لا يقل عن 14 ضابطا أمريكيا من رتب عليا، إلى جانب إقالة جنرال في القوات البرية، وهو ما يندرج ضمن مسار يقوده وزير الدفاع لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية.
وأوضح المتحدث، أن هذه الخطوات تُعد سابقة غير مألوفة في مؤسسة عسكرية داخل دولة ديمقراطية، حيث يُفترض أن تقوم على المهنية والاستقلالية، لا على أسس إيديولوجية، مؤكدا أن ما يحدث يطرح مؤشرات مقلقة بشأن التوجه نحو “تسييس” الجيش، وربطه بأهداف وقيم إيديولوجية، بدل التركيز على المصالح القومية الأمريكية.
وأشار إلى أن تصريحات رئيس أركان الجيش الأمريكي المُقال، راندي جورج، التي شدد فيها على أن الجيش “يستحق قادة شجعانا ومبدئيين”، تحمل في طياتها رسالة ضمنية تنتقد واقع القيادة الحالية، وتوحي بأن بعض الأسماء المطروحة لقيادة المرحلة المقبلة قد لا تمتلك الكفاءة المطلوبة.
ونوّه أبو عامر إلى أن هذا الوضع يثير مخاوف داخل الأوساط المهنية ومراكز الدراسات العسكرية في الولايات المتحدة، خاصة في ظل احتمال صعود قيادات قد تنسجم أكثر مع التوجهات الإيديولوجية، وربما الدينية، للإدارة الحالية، وهو ما قد يؤثر على طبيعة اتخاذ القرار العسكري.
معارضة أي تدخل عسكري مباشر ضد إيران
كما أبرز الخبير في الشأن السياسي، أن هذا التحول يأتي في سياق حالة استقطاب داخلي حاد تشهده الولايات المتحدة، ما يجعل المؤسسة العسكرية عرضة لتجاذبات سياسية غير مسبوقة، مُعتبرا أن هذه التطورات قد تنذر بانعكاسات خطيرة، خصوصا إذا أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خيارات تصعيدية، مثل توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران، وهو خيار لا يحظى بإجماع داخل المؤسسة العسكرية.
وأضاف محدثنا، أن التجربة السابقة خلال الولاية الأولى لترامب أظهرت وجود معارضة داخل الجيش لأي تدخل عسكري مباشر ضد إيران، حيث وقف عدد من القادة العسكريين آنذاك موقفا حازما ضد هذا التوجه، غير أن أبو عامر أشار إلى أن الإدارة الحالية وفق هذا الطرح، قد تكون بصدد إعادة تشكيل المؤسسة بطريقة تضمن ولاءً أكبر، ما يفتح الباب أمام تمرير قرارات أكثر خطورة.
وفي هذا السياق، حذّر المتحدث، من أن تحويل الجيش إلى أداة خاضعة لتوجهات شخصية أو إيديولوجية يهدد توازن المؤسسات داخل الدولة، وقد يقود إلى مسارات غير محسوبة، مُشيرا إلى وجود تشابهات تاريخية مع تجارب سابقة، حيث عمدت بعض الأنظمة إلى إقصاء القيادات العسكرية المهنية لإحكام السيطرة على الجيش.
خِتاماً، أكّد مأمون أبو عامر، على أن تطورات هذا الملف تبقى مفتوحة على عدة سيناريوهات، في ظل تمسك إيران بمواقفها ورفضها الاستجابة للضغوط الأمريكية، مقابل إصرار الإدارة الأمريكية على فرض رؤيتها، ما قد يدفع بالأوضاع نحو تصعيد خطير في المرحلة المقبلة.
الارتباك يُسيطر على القرار العسكري والسياسي في واشنطن
من جانبه، أفاد الباحث المصري في الشؤون السياسية والاستراتيجية، علي الطواب، أن إعلان وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي راندي جورج وإحالته إلى التقاعد الفوري، لا يمكن قراءته كإجراء إداري عادي، بل يعكس مؤشرات عميقة على وجود ارتباك وتباين داخل دوائر صنع القرار العسكري والسياسي في الولايات المتحدة.
وأكّد الطواب في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الرسالة الوداعية التي تحدث فيها جورج عن حاجة الجيش إلى “قادة شجعان ومبدئيين”، تحمل في طياتها رسائل مبطنة، تعكس حالة من عدم الرضا داخل المؤسسة العسكرية، مشيرا إلى أن هذا التصريح يلمّح إلى وجود ضغوط متزايدة على القيادات العسكرية للانخراط في خيارات تصعيدية قد لا تنسجم مع العقيدة العسكرية التقليدية.
وأوضح محدثنا، أن هذه الإقالة، وفق قراءته، ترتبط على الأرجح برفض بعض القيادات العسكرية تنفيذ توجيهات سياسية ذات طابع عسكري، لافتا إلى أن هذا الرفض يعكس تمسكا بجزء من المؤسسة العسكرية بالقواعد المهنية والأخلاقية التي تحكم عمل الجيوش، في مقابل توجهات سياسية تدفع نحو توسيع رقعة المواجهة.
تساؤلات جدية حول مدى استقلالية القرار العسكري
وأبرز الطواب أن ما يحدث داخل الجيش الأمريكي يطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلالية القرار العسكري، مشددا على أن إخضاع المؤسسة العسكرية لحسابات سياسية ضيقة قد يؤدي إلى تقويض منظومة القيم والانضباط التي تُعد أساسا في الجيوش النظامية.
وأشار الخبير في الشؤون السياسية، إلى أن السياق الإقليمي، وخاصة الحرب على إيران، يضفي على هذه التطورات بعدا أكثر خطورة، موضحا أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض واقع جديد في الشرق الأوسط، تكون فيه السيطرة على الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها النفط الإيراني ومضيق هرمز، عنصرا محوريا.
ونوّه المتحدث، إلى أن هذه التحركات لا تنفصل عن سعي واشنطن إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يضمن الحفاظ على “التفوق الإسرائيلي”، معتبرا أن هذا التوجه يفسر حجم الضغوط الممارسة لتسريع وتيرة العمليات العسكرية أو توسيعها.
وأفاد الطواب بأن بعض الأوامر التي طُرحت داخل المؤسسة العسكرية قد تكون تضمنت تنفيذ ضربات أكثر شدة أو استهداف بنى تحتية حساسة، وهو ما قد تحفظ بعض القيادات العسكرية ورفضها الانخراط في مثل هذه السيناريوهات لما تحمله من تبعات قانونية وإنسانية.
وشدد على أن أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع إيران لن يكون محدود التأثير، بل قد يتحول إلى صراع إقليمي واسع النطاق، خاصة مع احتمالات دخول أطراف إقليمية أخرى على خط المواجهة، ما قد يؤدي إلى حالة من “الاشتباك الشامل” الذي يصعب احتواؤه.
وأضاف أن تداعيات هذا السيناريو لن تكون عسكرية فقط، بل ستمتد بشكل مباشر إلى الاقتصاد العالمي، لاسيما في ظل حساسية منطقة الخليج التي تُعد شريانا رئيسيا لإمدادات الطاقة العالمية، مؤكدا أن أي اضطراب في مضيق هرمز سينعكس فورا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد الدولية.
كما أشار إلى أن قطاع الطيران المدني في المنطقة قد يكون من بين أول المتأثرين، مع احتمالات إغلاق أو تعطيل بعض المسارات الجوية والمطارات، ما من شأنه أن يعمّق حالة الارتباك الاقتصادي ويؤثر على حركة التجارة والسفر.
وفي السياق ذاته، أوضح الطواب أن استمرار التصعيد قد يدفع بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات احترازية قد تصل إلى تعليق جزئي أو كلي لحركة الطيران، أو إعادة توجيه المسارات الجوية، وهو ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بتدهور الوضع الأمني.
وأكد أن مسألة التمويل العسكري تمثل عاملا حاسما في المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن تمرير اعتمادات مالية إضافية من قبل الكونغرس الأمريكي قد يمنح الإدارة الأمريكية هامشا أوسع للمضي قدما في خياراتها العسكرية، في حين أن رفض هذه التمويلات قد يساهم في كبح جماح التصعيد، ولو بشكل مؤقت.
ونوّه محدثنا، إلى أن الرهانات الأمريكية، وفق هذا الطرح، لا تقتصر على الأبعاد العسكرية، بل تشمل أيضا أبعادا اقتصادية، من بينها السعي إلى تعزيز النفوذ في أسواق الطاقة، والاستفادة من موارد المنطقة، بما في ذلك النفط والغاز.
وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز الطواب أن المؤشرات الحالية لا توحي بتهدئة قريبة، بل ترجّح اتجاه الأمور نحو مزيد من التعقيد والتصعيد، محذرا من أن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة تتسم بعدم الاستقرار، ما لم يتم احتواء هذه التوترات عبر مسارات سياسية ودبلوماسية فاعلة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :