بقلم: وسام الأسعد ...
هذه العبارة “بدنا نعيش” ارتبطت في بعض السرديات التاريخية بحالة من التوتر داخل المجتمع الألماني في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وكانت كفيلة بأن تقود الفوهرر أدولف هتلر إلى فقدان أعصابه. ولتفسير ذلك، لا بدّ من العودة إلى تلك المرحلة، لا بهدف البقاء أسرى لها بل لفهم كيف يمكن للأزمات السياسية والاقتصادية أن تنتج أفكاراً متطرفة وصراعات داخلية حادة.
وباستعراض جذور كراهية هتلر لليهود، نلاحظ أنها لم تكن من منطلق ديني أو عنصري فحسب، بل تأثرت أيضاً بأحداث سياسية واقتصادية شهدتها ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى.
كان هتلر قد اكتشف أنّ أغلب النخب اليهودية شاركت في “طعن ألمانيا في الظهر” حيث أنّ الهزيمة لم تكن عسكرية بحتة بل نتيجة خيانات داخلية عبر دعم الثورات الداخلية عام 1918، والسيطرة على البنوك ووسائل الإعلام، والمساهمة في فرض معاهدة فرساي المهينة، إضافة إلى نشر أفكار إعتبرها “هدّامة” مثل الشيوعية.
كما كان يرى أنّ الدور الاقتصادي لبعض اليهود ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية والتضخم وانهيار المارك الألماني، واستغلال فقر الشعب من خلال القروض ذات الفوائد المرتفعة. لذلك سعى إلى الحدّ من هذا التأثير وإقصائهم عن إدارة البنوك.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ اعتبر أنهم تمكنوا من التغلغل في مفاصل نقابات العمال في برلين وعدة مدن ألمانية، ما دفعه إلى الدعوة لانتخابات جديدة مبكرة لهذه النقابات، حيث تمكن حزبه من تحقيق فوز كبير.
بعد ذلك، ومع صعود هتلر إلى السلطة عام 1934، وبدأ بإعداد جيش قوي، وكانت نيته الثأر من الدول التي هزمت بلاده في الحرب العالمية الأولى، والتخلص من آثار معاهدة فرساي التي فرضت شروطاً قاسية على ألمانيا.
وفي خضمّ هذه التحضيرات، واجه معارضة من شريحة واسعة من الشباب الألماني الذين رفضوا الانخراط في الحرب. فكلّف هتلر جهاز الشرطة السرية الغيستابو، “Gestapo”، بالتحري لمعرفة من يقف وراء هذه الموجة.
وأشارت التقارير، وفق تحقيقات تلك المرحلة، إلى انتشار أماكن اللهو الليلي كالفطر في شوارع المدن بشكل لافت تعود ملكيتها لليهود حيث جذبت أعداداً كبيرة من الشباب وروّجت لأسلوب حياة يدعو إلى الابتعاد عن الحرب ورفض الالتحاق بالجيش تحت شعار “بدنا نعيش”.
وقد شكّلت هذه الأحداث، في ذهن هتلر، مبرّراً لسياساته الإقصائية لاحقاً، والتي قادت إلى القرار الحاسم والجريء في التاريخ: “هولوكوست”.
التفسير لا يبرّر فعل القتل إنْ حدث، لكنه يظهر كيف تتحوّل الدعاية السياسية والكراهية الاقتصادية إلى سياسات الإبادة.
واليوم، وفي واقعنا المعاصر، ومع تصاعد الإشتباكات الحربية بين رجال المقاومة الوطنية وجنود العدو اليهودي، تظهر أصوات داخل لبنان ترفع شعار “بدنا نعيش” وتعارض بعض الخيارات السياسية والعسكرية.
وما أشبه اليومَ بالبارحة! إذ تعود الأيادي ذاتها لنسج خيوط مؤامرةٍ جديدة على مسرح الدمى، بأدوات مختلفة ووجوه متبدّلة…
ويُظهر هذا التباين إختلافاً في فهم معنى الحياة والكرامة والسيادة.
نعم، كلنا نريد أن نحيا، لكن هناك فرقاً كبيراً بين العيش بلا كرامة ولا سيادة، وبين حياة العز والشرف. فالحرية صراع، وإذا فقدنا شغف السعي لإثبات الذات، فما جدوى العيش؟
يقول سعاده: “…نحب الحياة، لكننا نحب الموت أيضاً متى كان طريقاً للحياة”.
في النهاية، تبقى قيمة الحياة والكرامة متلازمتين لا تنفصلان. فالإنسان لا يسعى إلى العيش بأي ثمن. ومن هنا تتشكل المواقف وتختلف الرؤى، لكن الأهم أن تبقى الحقيقة بعيدة عن التزييف، وأن يُبنى الوعي على الفهم لا على الانفعال، وعلى النقد لا على التعميم. فالتاريخ لا يُستعاد ليُعاد إنتاج أخطائه، بل ليكون درساً يُنير الطريق نحو مستقبل أكثر عزة وعدالة.
المرجع: كتاب كفا/حي لأدولف هت/لر.
6 نيسان 2026.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :