ضمانات على المحك: كيف يمكن تجنيب إيران دوّامة الحروب في عالم متقلب؟

ضمانات على المحك: كيف يمكن تجنيب إيران دوّامة الحروب في عالم متقلب؟

 

Telegram

كتبت الدكتورة نور ابو حيدر

في عالمٍ يتغيّر بسرعة ويشهد تصاعدًا غير مسبوق في التوترات الإقليمية والدولية، تبدو الحاجة إلى ضمانات جدّية لمنع انزلاق إيران إلى دوّامة حروب جديدة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فقد أثبتت التجارب السابقة أن غياب الضمانات الفعّالة، أو ضعف الالتزام بها، يجعل أي اتفاق قابلًا للانهيار عند أول اهتزاز، ويُعيد المنطقة إلى مربّع التصعيد. ولذلك يصبح البحث عن منظومة متكاملة من الضمانات ضرورة لحماية المنطقة من انفجار جديد، ولتأمين استقرار طويل الأمد لإيران ولجوارها على حدّ سواء.

وتأتي الاتفاقيات الدولية الملزِمة في مقدّمة هذه الضمانات، ولا سيما الاتفاقيات المشابهة للاتفاق النووي السابق. فمثل هذه الاتفاقيات لا تنظّم الأنشطة النووية فحسب، بل تضع إطارًا قانونيًا متماسكًا يحدّد آليات المراقبة والتنفيذ، ويمنع أي طرف من الانسحاب الأحادي دون تبعات واضحة. وكلما كان الطابع القانوني للاتفاق أكثر صلابة، ازدادت قدرته على الصمود أمام التقلّبات السياسية، وقلّت فرص انهياره أو استخدامه ذريعة لعودة التوتر.

إلى جانب ذلك، تلعب الرقابة الدولية دورًا حيويًا في بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية، عبر تقاريرها الدورية وإشرافها التقني، تخلق بيئة شفافة تجعل الادعاءات والشكوك أقل قابلية للاستغلال السياسي. وعندما تقلّ الذرائع، يتراجع احتمال اللجوء إلى عمل عسكري، وتتزايد فرص استمرار الاستقرار.

وتبرز أيضًا أهمية الضمانات الأمنية التي قد تقدّمها القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، لما تملكه هذه الدول من نفوذ سياسي وعسكري يؤهّلها للعب دور الضامن لأي اتفاق. وقد تأتي هذه الضمانات على شكل تعهّدات بعدم الاعتداء، أو التزام بعدم السماح لأي طرف بالتصعيد دون مبرّر، أو توفير مظلة سياسية تحاصر خطوات التصعيد من بدايتها. ومثل هذا النوع من الضمانات يحدّ من المخاطر ويعطي الاتفاقات وزنًا فعليًا يتجاوز النصوص الورقية.

وفي المستوى الإقليمي، يبدو خفض التوتر مع دول الجوار، ولا سيما السعودية، عنصرًا جوهريًا في أي مقاربة لتجنيب المنطقة حروبًا جديدة. فالكثير من الصراعات التي تشهدها المنطقة تُدار بالوكالة، وتتحول إلى ساحات تنافس إقليمي. ومن هنا، فإن أي تقارب أو تفاهم بين طهران والعواصم الإقليمية الكبرى يشكّل خط دفاع إضافيًا ضد العودة إلى المواجهات.

أما في الجانب العسكري، فإنّ الالتزامات المتعلقة بضبط نوعية الأسلحة أو الحد من تطوير البرامج الصاروخية—مقابل ضمانات مقابلة كرفع العقوبات أو توفير حماية سياسية—تمثل آلية متوازنة قائمة على مبدأ “الأمن مقابل الالتزام”. وهذا النوع من التفاهمات أثبت فعاليته في العديد من تجارب العلاقات الدولية.

ويظل الاندماج في الاقتصاد العالمي أحد أقوى الضمانات غير المباشرة لتجنّب الحروب. فكلما ازدادت شبكة المصالح الاقتصادية المشتركة بين إيران والدول الأخرى، ارتفع الثمن الذي سيدفعه الجميع في حال اندلاع مواجهة عسكرية. وفي عالم تحكمه المنافسة الاقتصادية، يصبح الاقتصاد أداة ردع حقيقية وفعّالة.

كما أنّ إنشاء قنوات دبلوماسية دائمة وآليات لفض النزاعات يبقى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. فعندما تتوافر لجان مشتركة وقنوات اتصال مفتوحة، يصبح التعامل مع الأزمات أسرع وأكثر هدوءًا، ويقلّ خطر تحوّل الخلافات الصغيرة إلى صراعات مفتوحة.

وفي الخلاصة، إن ضمان عدم انزلاق إيران نحو حروب جديدة لا يتحقّق من خلال عنصر واحد، بل عبر منظومة متكاملة تُجمع فيها الاتفاقيات القانونية، والرقابة الدولية، والضمانات الأمنية، والتفاهمات الإقليمية، والمصالح الاقتصادية المشتركة، والآليات الدبلوماسية الدائمة. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الاستقرار ممكنًا، وتتراجع احتمالات الانزلاق نحو نزاعات جديدة في عالم يعجّ بالمتغيرات والتحديات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram