حرب نتنياهو الأبدية سوف تغرق الإمبراطورية الأمريكية

حرب نتنياهو الأبدية سوف تغرق الإمبراطورية الأمريكية

 

Telegram

 

في 28 فبراير/شباط، شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربة جوية على جمهورية إيران الإسلامية، بلا مبرر ولا مسوغ أخلاقي وقانوني، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، والعديد من كبار مسؤولي النظام.

 

وما لبث أن تحولت عملية "الغضب الملحمي" إلى حرب إقليمية ذات تداعيات بعيدة المدى، لم تقتصر على الضحية فحسب، بل امتدت لتشمل حلفاء أمريكا الأوروبيين وحلفاءها في الخليج، وأمن الطاقة العالمي والاقتصاد الدولي. ويمكن القول إن هذه هي أكثر حروب القرن الحادي والعشرين حماقة. فمن كان صاحب الفكرة؟

يذهب البعض إلى أن الولايات المتحدة هي من كانت تمسك بزمام الأمور، حيث صرح عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، بأن "الهجوم المستمر على إيران ليس مجرد مغامرة إسرائيلية نجح نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها، بل هو تحرك أمريكي إستراتيجي مخطط له، استخدمت واشنطن فيه إسرائيل كشريك إقليمي في خطوة كبرى نحو تغيير الشرق الأوسط".

 

لكن في واقع الأمر، كانت الرغبة الإسرائيلية هي التي حركت الموقف الأمريكي، فقد تلاعبت إسرائيل بأمريكا لتحقيق هيمنة عسكرية في المنطقة.

ومن المؤكد أن دونالد ترمب لن يكون سعيدا بهذا التوصيف للحالة، ولا توصيفه كتابع لبنيامين نتنياهو، لكنه في المقابل هو عاجز عن تقديم تفسير منطقي متماسك لهذه الحرب، ترمب ليس خبيرا إستراتيجيا، بل هو نرجسي ساذج ومصاب بجنون العظمة، وهو شخص لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وبالتالي فهو شديد الخطورة.

أما الأهداف، أو بالأحرى الذرائع، التي قدمها ترمب للحرب على إيران، فهي تتغير باستمرار. ففي البداية، تظاهر بمنح الشعب الإيراني فرصة للإطاحة بنظامه الوحشي، لكن من المستبعد أن تكون حرية الشعب الإيراني وحقوقه على رأس أولوياته، أو حتى ضمن أولوياته أصلا.

 

ثم جاء الادعاء بأن الهجوم كان يهدف إلى منع إيران من إنتاج أسلحة نووية، ولكن في يونيو/حزيران من العام الماضي، وعقب الهجوم الإسرائيلي الأمريكي الأول على إيران، والذي أطلق عليه "حرب الـ12 يوما"، تباهى ترمب بأنه دمر المنشآت النووية الإيرانية تماما. فإذا كان الأمر كذلك، فبالتأكيد لم تكن هناك حاجة لهجوم آخر.

إعلان

وهناك هدف آخر ذكره ترمب وهو تدمير برنامج إيران للصواريخ الباليستية ووسائل إطلاقها، لكن امتلاك العدو هذه الصواريخ يصعب أن يكون مسوغا لشن حرب، فبموجب القانون الدولي، وحده التهديد بهجوم وشيك هو ما يمنح الدولة الحق في الدفاع عن النفس، ولم يكن هناك أي تهديد إيراني وشيك للولايات المتحدة، أو لإسرائيل في هذه الحالة.

 

وبعد يومين من بدء الحرب، زل لسان وزير الخارجية ماركو روبيو كاشفا أن الولايات المتحدة هاجمت إيران فقط؛ لأنها علمت أن حليفتها إسرائيل كانت ستضرب، وبالتالي خشيت أن تصبح أمريكا هدفا لرد انتقامي من إيران.

وبعبارة أخرى، فإن التهديد الوشيك جاء من إسرائيل لا من إيران، وبدا ترمب ليس كقائد بل كتابع مغلوب على أمره. وتحت ضغط من البيت الأبيض، حاول روبيو التراجع عن تصريحاته، لكن بعد فوات الأوان: فقد أفشى السر.

من جهته، رفض ترمب فكرة تعرضه للتلاعب قائلا: "إذا كان هناك شيء، فربما أكون أنا من أجبرت إسرائيل على التحرك"، وهو ادعاء سخيف، فما من أحد فعل أكثر من نتنياهو للترويج لفكرة أن إيران تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، حيث شيطن الجمهورية الإسلامية ودعا مرارا وتكرارا إلى هجوم عسكري أمريكي إسرائيلي للإطاحة بنظامها.

 

ولم يكن من الممكن إقناع أي رئيس أمريكي بالمضي قدما في هذه الفكرة المجنونة، إلا أن نتنياهو وجد في ترمب شريكا متعاونا عن طيب خاطر.

كانت مشاركة ترمب في هذه الحرب العدوانية السافرة عاملا حاسما في اندلاعها. وفي اليوم التالي للضربات الجوية الأولى على إيران، أعلن نتنياهو أن مشاركة الولايات المتحدة "سمحت لنا بفعل ما كنت آمل في فعله منذ 40 عاما". وكان جليا أن ترمب لم يكن هو من أجبره على ذلك.

وقد طرح جوزيف كينت -وهو مسؤول بارز في مكافحة الإرهاب ومؤيد مخلص لترمب- بقوة فكرة تعرض الرئيس الأمريكي للخداع من قبل إسرائيل للتخلي عن مبدأ "أمريكا أولا"، والاندفاع نحو حرب "لا تخدم مصلحة الشعب الأمريكي ولا تبرر تكلفة الأرواح الأمريكية".

 

وفي رسالة استقالته التي نشرها على منصة "إكس"، كتب كينت: "لم تشكل إيران أي تهديد وشيك لشعبنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل ولوبيها القوي في أمريكا".

وأضاف كينت مخاطبا ترمب: "في وقت مبكر من عمر الإدارة، شن مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى وأعضاء مؤثرون في وسائل الإعلام الأمريكية حملة تضليل قوضت تماما برنامجك (أمريكا أولا) وغرست مشاعر مؤيدة للحرب لتشجيع الصدام مع إيران.

وقد استُخدمت هذه البيئة لإعلامية لخداعك حتى تعتقد أن إيران تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأنه ينبغي عليك أن تضرب الآن، وأن هناك طريقا واضحا لتحقيق نصر سريع".

وكشفت الصحافة العبرية عن تفاصيل اجتماع رئيسي في الطريق إلى الحرب، وهو الاجتماع الذي جمع بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب في 28-29 ديسمبر/كانون الأول 2025 في مارالاغو، ضيعة الرئيس في بالم بيتش بفلوريدا.

كان مضمون رسالة نتنياهو، وفقا لهذه التقارير، كالتالي: أن القضية النووية لم تعد هي القضية الرئيسية؛ فالأولوية القصوى هي الصواريخ الباليستية التي طورها الإيرانيون في نظام معقد متعدد الطبقات بعد الضربة الإسرائيلية الأمريكية في يونيو/حزيران 2025، وكان لا بد من تدميرها؛ لمنعهم من استخدامها رادعا ضد أي هجوم على منشآتهم لإنتاج الأسلحة النووية.

ونتنياهو حذر ترمب من التفاوض على اتفاق نووي جديد مع إيران، موضحا أنه إذا لم يحصل على الضوء الأخضر، فإن إسرائيل ستمضي بمفردها ولن يكون أمام ترمب خيار سوى الانضمام إليها.

وقدم وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الذي توسط في آخر محادثات نووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، تقييما قاسيا للأحداث التي سبقت الحرب. ففي مقال له بمجلة "إيكونوميست" أن الولايات المتحدة "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية". ووفقا للبوسعيدي، كان الجانبان "على وشك التوصل إلى اتفاق حقيقي" في المفاوضات النووية.

وبالمثل، أعرب جوناثان باول، مستشار الأمن القومي البريطاني الذي حضر المرحلة النهائية من المحادثات، عن دهشته من التقدم الكبير نحو اتفاق نووي دائم وجوهري، واعتبر أنه كان كافيا لوقف الحرب بين الطرفين.

وكان فريق التفاوض الأمريكي في جنيف يتكون من المبعوث الخاص لترمب، مطور العقارات ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر. ويُقال إنهما لم يصطحبا أي خبراء معهما. ووصف أحد الدبلوماسيين الخليجيين هذا الثنائي بأنهما "أدوات إسرائيلية تآمرت لإجبار الرئيس الأمريكي على الدخول في حرب يريد الآن الهروب منها".

وفي جنيف، وافق الإيرانيون على تنازلات مهمة للغاية، شملت خفض وتجميد تخصيب اليورانيوم، كما عرضوا على الولايات المتحدة فرصة المشاركة في برنامج نووي مدني مستقبلي، مقابل رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة. وكان من المقرر عقد المرحلة النهائية من المفاوضات في الأسبوع التالي في فيينا، لكن بعد 48 ساعة فقط، بدأت القنابل تتساقط على طهران.

على أنه نادرا ما تسير الحروب وفقا للمخطط، فمن الأسهل بكثير بدء الحرب بدلا من إنهائها. وسرعان ما خرجت الحرب الجوية على إيران عن سيطرة مهندسيها وتحولت إلى حرب إقليمية هي الأكثر ضررا وتدميرا وذات تداعيات عالمية.

ولم يكتفِ المعتدون بضرب أهداف عسكرية بل استهدفوا أيضا البنية التحتية المدنية، ومحطات الطاقة، والمستشفيات، والمدارس.

وفي اليوم الأول للحرب، أصاب صاروخ أمريكي من طراز "توماهوك" مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب بجنوب إيران، مما أسفر عن مقتل حوالي 165 وإصابة ما يقرب من 100 آخرين.

وفي الأسابيع الثلاثة الأولى من الهجوم، قُتل أكثر من 2000 شخص في إيران. وفي لبنان، وفي انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار، جددت إسرائيل هجومها العدواني والعشوائي على حزب الله، مما أسفر عن مقتل 1039 شخصا وإصابة 2876 آخرين، وقصفت المنازل والمدارس والمستشفيات والجسور، وأجبر ما يقرب من مليون نسمة على الفرار من منازلهم في جنوب البلاد.

وفعل الإيرانيون بالضبط ما قالوا إنهم سيفعلونه إذا تعرضوا للهجوم؛ فقد ردوا بقوة وفاعلية كبيرة ضد إسرائيل، وأطلقوا الصواريخ والطائرات المسيرة على القواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وقصفوا الموانئ والمطارات ومحطات الطاقة ومصافي النفط وغيرها من الأهداف المدنية الحساسة لحلفاء أمريكا في البحرين، وقطر، والكويت، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة.

كما أغلقوا مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس نفط العالم والغاز المسال، مما يهدد بأزمة اقتصادية عالمية عميقة ودائمة مع انهيار أسواق الأسهم وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي الوقت نفسه، لم تعد الحرب على إيران تحظى بشعبية بشكل متزايد في الداخل، لا سيما في قاعدة ترمب الخاصة "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا). ويزعم منتقدوه لسبب وجيه، أن هذه المغامرة الخارجية التي لم يوافق عليها الكونغرس تهدف إلى جعل إسرائيل، لا أمريكا، عظيمة.

وتكلف الحرب الولايات المتحدة أكثر بكثير من مليار دولار يوميا، وبعد فشلها في استشارة الكونغرس، تطلب الإدارة الآن مبلغا ضخما قدره 20 مليار دولار لمواصلة حرب لا يمكن الانتصار فيها. وكما أوضح بيت هيغسيث، وزير الحرب المتحذلق بشكل مثير للسخرية، أن الأمر "يتطلب مالا لقتل الأشرار".

وما يبدو أن ترمب لا يفهمه هو أن بعض أهدافه لا تتماشى مع أجندة نتنياهو. فهدفه الرئيسي هو تغيير النظام في طهران، بينما هدف نتنياهو النهائي هو انهيار النظام. وقد توقع ترمب بسذاجة عملية شبيهة بما حدث في فنزويلا، حيث يُزال الزعيم المعادي ويُستبدل بشخص أكثر انصياعا من داخل النظام نفسه.

لكن إيران ليست فنزويلا. فالنظام هناك، رغم عدم شعبيته الكبيرة، متجذر بعمق ولم يظهر أي علامات حتى الآن على تصدعه تحت ضربات الحلفاء.

ولا يأمل نتنياهو في قيادة أكثر اعتدالا، بل في الانهيار التام للحكومة، وإضعاف قواها العسكرية وتفتيت البلاد؛ فهو يريد من الجماعات الانفصالية مثل الأذريين والبلوش والعرب والأكراد الضغط بمطالبهم وإضعاف الحكومة المركزية.

ويحاول الموساد تشجيع أكراد العراق تحديدا على غزو إيران، وإذا كانت النتيجة حربا أهلية، فليكن؛ فالمطلوب في نهاية المطاف هو بلد ضعيف غير قادر على الدفاع عن نفسه، مثل سوريا.

وهذا جزء من خطة أوسع لتفكيك "محور المقاومة" الذي تقوده إيران ضد الهيمنة الإسرائيلية، والذي يضم حركة حماس في غزة، والحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان. وكل هذا لا علاقة له بجعل أمريكا عظيمة مجددا، بل يتناقض بشكل صارخ مع وعد ترمب في الانتخابات الأخيرة بتجنب التورط في صراعات عسكرية خارجية غير ضرورية وغير مربحة.

فترمب في حقيقة أمره انعزالي، ويحتاج إلى بيئة إقليمية هادئة ومستقرة لعقد صفقات مع دول الخليج الغنية. أما إسرائيل فعلى النقيض من ذلك، فهي وكيل للفوضى، دولة تعيش بحد السيف، وبالتالي فهي مصدر اضطراب وعنف وحروب لا تنتهي.

وهي تستخدم تركيز وسائل الإعلام العالمية على الصراع في إيران لصرف الانتباه عن الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية.

ومن خلال سعيها الحثيث وراء حلم "إسرائيل الكبرى"، فإنها تقلب الرأي العام ليس ضد نفسها فحسب، بل أيضا ضد راعيتها القوة العظمى.

وبعد عدة أسابيع من هذا الهجوم الذي تقوده إسرائيل ضد إيران، يجد ترمب نفسه في مأزق؛ فهو بحاجة إلى إنهاء تدخل عسكري مكلف وغير شعبي دون أن يريق ماء وجهه، وإلا فإنه سيؤكد سمعته كشخص دائما ما يتراجع خوفا في اللحظة الأخيرة.

والطريقة الوحيدة لإنهاء هذه الحرب غير المدروسة والمشؤومة ليست بالتصعيد العسكري بل بالعودة إلى المفاوضات. لكن هنا يواجه ترمب معضلة من صنعه بما أنه أيد الإستراتيجية الإسرائيلية المتمثلة في قطع رأس النظام، حيث اشتكى قائلا: "لقد رحل قادتهم جميعا".

"نحن نواجه وقتا عصيبا. نريد التحدث إليهم وليس هناك من نتحدث إليه". يا له من دونالد المسكين! لقد بدا مثل الرجل الذي قتل والديه ثم توسل للقاضي ليرحمه بحجة أنه يتيم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram