في قلب مضيق هرمز, تتبلور واحدة من أخطر المعادلات الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. إيران تلوّح بخيارٍ غير مسبوق: إما دفع رسوم على عبور السفن وناقلات النفط والغاز, أو الذهاب نحو تصعيدٍ مفتوح يهدد بشلّ الاقتصاد العالمي. خطوة تحمل في طياتها محاولة لتحويل هذا الممر الحيوي إلى ما يشبه "صرافًا آليًا عالميًا", قائمًا على معادلة قاسية من الابتزاز السياسي والاقتصادي.
قانونيًا, يصطدم هذا التوجّه مع قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982, التي تكرّس مبدأ "المرور العابر" في المضائق الدولية, بما يضمن حرية الملاحة من دون فرض رسوم. إلا أن طهران تعتمد تفسيرًا مغايرًا, مستندة إلى مفهوم "المرور البريء", بما يمنحها هامشًا أوسع لفرض قيود ورسوم تحت عناوين الأمن وحماية البيئة, وهو ما ترفضه الهيئات الدولية التي تعتبر هذه الذرائع غير كافية لتبرير أي جباية مالية.
عمليًا, لا تستند إيران إلى النصوص فقط, بل إلى واقع القوة. سيطرة جغرافية على الضفة الشمالية للمضيق, وقدرات عسكرية تشمل الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام, تضعها في موقع يمكنها من فرض أمر واقع, أو على الأقل التلويح به بجدية.
الدول الكبرى تبدو منقسمة. الغرب يرفض الخضوع, فيما تتجه قوى آسيوية, مدفوعة بحاجتها للطاقة, إلى مقاربات أكثر براغماتية. فمع اعتماد آسيا على ما يقارب 80% من النفط العابر عبر المضيق, يصبح تأمين الإمدادات أولوية تتقدّم على الاعتبارات السياسية. وقد بدأت مؤشرات تفاهم غير معلن تظهر, خصوصًا مع الصين والهند, لتأمين مرور شحناتهما.
في المقابل, تلوّح الولايات المتحدة بخيارات عسكرية, مع تركيز على استهداف القدرات البحرية الإيرانية, لكنها في الوقت نفسه تحاول تحميل الدول المستفيدة كلفة حماية الممر, ما يضع العالم أمام معادلة مزدوجة: دفع "إتاوة" لإيران, أو تحمّل أعباء الحماية الأميركية.
اقتصاديًا, الأرقام مرعبة. في حال فرضت إيران رسومًا على العبور, قد تتراوح عائداتها بين 12 و102 مليارات دولار سنويًا, وفق سيناريوهات مختلفة. لكن الكلفة الحقيقية لن تتوقف عند هذا الحد, بل ستطال المستهلك العالمي مباشرة. فقد ارتفعت أسعار الوقود, وقفزت كلفة التأمين والشحن بشكل غير مسبوق, وبدأت أسعار الغذاء بدورها بالارتفاع نتيجة تضخم كلفة الطاقة والنقل.
التداعيات تتسع عالميًا: من ارتفاع أسعار البنزين في أوروبا وأميركا, إلى أزمات طاقة في جنوب آسيا, وصولًا إلى تضخم أسعار السلع الأساسية. كل تأخير في سلاسل الإمداد, وكل زيادة في كلفة النقل, تتحوّل تلقائيًا إلى عبء إضافي على المستهلك النهائي.
في الخلاصة, لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي, بل تحوّل إلى ساحة صراع مفتوحة على الاقتصاد العالمي. وإذا نجحت إيران في فرض معادلتها, فإنها لن تغيّر فقط قواعد اللعبة في المنطقة, بل ستعيد رسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي… على حساب الجميع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :