بين الاقتصاد والبيئة: حين يحاول رئيس اتحاد البلديات تجاوز صلاحياته

بين الاقتصاد والبيئة: حين يحاول رئيس اتحاد البلديات تجاوز صلاحياته

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

 

في خضمّ الجدل المتصاعد حول قرار إقفال شركات الترابة في الهري وشكا، تعددت المواقف بين من يرفع شعار حماية الاقتصاد وتأمين فرص العمل، وبين من يضع البيئة والصحة العامة في صدارة الأولويات. لكن اللافت لم يكن مضمون هذه المواقف فحسب، بل الجهات التي تصدّت لقيادة النقاش، وفي طليعتها بعض اتحادات البلديات التي تجاوزت بوضوح حدود دورها وصلاحياتها.

 

ففي بيان اتحاد بلديات البترون، جاء التأكيد على التضامن مع شركات الترابة تحت عنوان دورها الحيوي في دعم الاقتصاد، مع إشارة إلى ضرورة الالتزام بالمعايير البيئية. أما بيان مخاتير شكا فكان أكثر واقعية، إذ أقرّ بأهمية الشركات اقتصادياً، لكنه ربط استمرارها بالالتزام الصارم بالقوانين البيئية والصحية، مطالباً برقابة شفافة وخطط مستدامة لمعالجة الأضرار.

 

غير أن الإشكالية الأعمق ظهرت في تحرّك رئيس اتحاد بلديات الكورة، الذي دعا إلى اجتماع لاتخاذ موقف من الملف، رغم أن الاتحاد لا يملك أي اختصاص قانوني أو عملي في منح التراخيص للمقالع أو تنظيم عمل شركات الترابة. هذه القضايا تخضع حصراً لسلطة الوزارات والإدارات المركزية، لا للاتحادات البلدية. وقد انتهى الاجتماع الذي عقد اليوم إلى تأكيد غالبية بلديات الكورة دعمها للقرى المتضررة ووقوفها إلى جانبها، ما دفع رئيس الاتحاد إلى إنهاء الجلسة دون إصدار البيان الذي كان يرغب في تمريره.

 

هذا التجاوز لا ينفصل عن الخلفيات السياسية والمصلحية التي أحاطت برئاسة الاتحاد، والتي جاءت نتيجة تقاطع مصالح بين الشركات وبعض القوى السياسية الساعية لإعادة فتح المقالع. الأخطر أن الخطاب المنسوب إلى رئيس الاتحاد ينطوي على استخفاف بأهالي كفرحزير، عبر تعليقات تحمل طابع الشماتة والاستهزاء بقرارهم السيادي بوقف المقالع، وكأن كرامة الناس وحقهم في بيئة نظيفة يمكن مقايضتهما ببعض الإيرادات البلدية.

 

إن هذا المنطق يكشف انفصالاً خطيراً عن مسار نضالي طويل خاضه أبناء الكورة دفاعاً عن أرضهم وصحتهم منذ عقود، في مواجهة المقالع العشوائية من سهل أميون وكفرحزير وصولاً إلى الكوارث البيئية في بدبهون والمناطق الغربية. والمفارقة أن من وصل إلى موقعه بدعم سياسي كان يُفترض أن يتلاقى مع هذا المسار، اختار أن يتموضع في الضفة المقابلة، متبنياً خطاباً يتعارض مع تطلعات الناس.

 

ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل سقوط مدوٍ في المعايير: حين يُقدَّم الدفاع عن مصالح الشركات على حساب صحة الناس، وحين تُهمَّش قرارات البلديات المتضررة، وحين يُستخدم موقع عام لتصفية حسابات أو تمرير أجندات خاصة.

 

أهل الكورة أثبتوا مراراً أنهم ليسوا رهائن لوظائف مشروطة بتدمير بيئتهم، ولا طلاب إعانات. كرامتهم وصحتهم وحقهم في أرض نظيفة أولويات لا تُقايض ولا تُشترى "بثلاثين من الفضة".

 

المطلوب اليوم واضح: احترام الأصول القانونية، إعادة كل ملف إلى مرجعيته المختصة، والإنصات إلى صوت الناس الذين يدفعون وحدهم ثمن أي قرار خاطئ. أما الاتحادات البلدية، فدورها يجب أن يبقى حيث حدده القانون: في خدمة التنمية المحلية، لا في الانخراط في صراعات تتجاوز اختصاصها وتضرّ بمجتمعاتها.

 

إن اتحاد بلديات الكورة، الذي لا يملك أي صلاحية في هذا الملف، أفشل اليوم محاولة لتسويق موقف داعم للشركات. لكن سقوط رئيس الاتحاد وحيداً في هذا الموقف ليس حدثاً عابراً، بل علامة فارقة على زمن تُباع فيه المواقف بثمن بخس، فيما يبقى أهل الكورة ثابتين على نضالهم، متمسكين بكرامتهم وأرضهم، رافضين أن تتحول منطقتهم إلى رهينة مصالح شركات ومساومات سياسية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram