ما بعد “وهم الحسم”: حرب تعيد رسم موازين الطاقة والنفوذ العالمي

ما بعد “وهم الحسم”: حرب تعيد رسم موازين الطاقة والنفوذ العالمي

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل باتت ترتبط بعوامل أكثر تعقيداً، في مقدمتها أمن الطاقة وتوازنات الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار، تبدو المواجهة الحالية وكأنها دخلت مرحلة مفصلية، تضع إدارة دونالد ترامب أمام خيارات ضيقة: إما احتواء الصراع بنتائج غير مكتملة، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع يصعب التحكم بمساراتها.

غير أن خيار الحرب الشاملة لا يعني مواجهة محصورة مع إيران فحسب، بل يفتح الباب أمام انفجار إقليمي واسع، يمتد عبر عدة جبهات في آن واحد، مع ما يحمله ذلك من كلفة بشرية وعسكرية مرتفعة، واحتمال انخراط قوى متعددة بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

 تعدد الجبهات: من معركة محدودة إلى صراع إقليمي مفتوح

المؤشرات الميدانية توحي بأن رهانات “الحسم السريع” قد تراجعت بشكل واضح، لتحل محلها معادلة الاستنزاف وتوسيع رقعة الاشتباك:

* في لبنان، يبرز دور حزب الله عبر تكتيكات تهدف إلى استنزاف طويل الأمد، يضع الخصم أمام كلفة متزايدة.
* في العراق، تتصاعد الضغوط على المصالح الأميركية وسط تداخل معقد في حسابات الفاعلين المحليين والإقليميين.
* أما اليمن، فيبقى عاملًا كامناً، حيث إن أي تصعيد في الممرات البحرية قد يحوّل المواجهة إلى أزمة تجارة عالمية.

هذا التمدد لا يعكس فقط اتساع الجغرافيا، بل تحوّل طبيعة الحرب نفسها، من مواجهة قابلة للضبط إلى صراع متعدد المستويات.

 

 من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: سقوط أوهام الحسم

تستحضر هذه المواجهة تجربة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث سقطت رهانات الحسم السريع وتحولت الحرب إلى استنزاف طويل.

غير أن الفارق الجوهري هنا يكمن في الجغرافيا الاستراتيجية، إذ تمر هذه المواجهة عبر أهم شرايين الطاقة في العالم، ما يجعل كلفة الاستنزاف عالمية، وليست محصورة ضمن نطاق جغرافي ضيق.

 

 تحوّل المزاج الدولي: هل تبدأ مرحلة إعادة التوازن؟

في موازاة التطورات الميدانية، يبرز سؤال محوري: هل يؤدي صمود إيران إلى إعادة تشكيل الرأي العام الدولي تجاه الولايات المتحدة؟

حتى الآن، لا يمكن الحديث عن تحوّل جذري شامل، لكن المؤشرات توحي بتآكل تدريجي في صورة “القدرة على الحسم” التي شكّلت أحد أعمدة النفوذ الأميركي. فكلما طال أمد المواجهة دون نتائج حاسمة، تتزايد الشكوك، ليس فقط لدى الخصوم، بل أيضاً داخل دوائر الحلفاء.

ويبرز في هذا السياق تباين في مواقف بعض الحلفاء، حيث يظهر ميل إلى الحذر وإعادة التموضع بدلاً من الانخراط الكامل. هذا لا يعكس بالضرورة تخلياً مباشراً عن إدارة دونالد ترامب، لكنه يشير إلى حسابات أكثر براغماتية، تهدف إلى تجنب كلفة الانزلاق نحو صراع مفتوح.

في المقابل، يراكم محور إيران نقاطاً على مستوى “الصورة الاستراتيجية”، إذ إن القدرة على الصمود—حتى دون تحقيق انتصار حاسم—تتحول بحد ذاتها إلى عنصر قوة، خاصة عندما يقترن ذلك بعجز الخصم عن فرض شروطه.

كما أن الرأي العام العالمي لم يعد يُصاغ فقط عبر القنوات التقليدية، بل أيضاً عبر الفضاء الرقمي ومنصات مثل X، حيث تتسع السرديات الناقدة للسياسات الأميركية، خصوصاً في دول الجنوب العالمي.

 

ما بعد المواجهة: التحدي الحقيقي

تواجه إيران مرحلة دقيقة، حيث لا يقتصر التحدي على إدارة المواجهة، بل يمتد إلى ما بعدها:

داخلياً: الحفاظ على التماسك الاجتماعي وإدارة الضغوط الاقتصادية
إقليمياً: إعادة صياغة العلاقات مع المحيط في ظل تراجع الثقة
دولياً: احتمال الانتقال إلى مسار تفاوضي جديد، تُحدده نتائج الميدان لا التفاهمات المسبقة

 

في الحروب الكبرى، لا يكون الانتصار دائماً لمن يربح المعركة… بل لمن يمنع خصمه من تحقيق أهدافه.
وحين تفشل القوة في فرض إرادتها، يبدأ العالم—بصمت—في البحث عن توازن جديد.
ربما لا نكون بعد أمام نظام دولي مختلف، لكن المؤكد أن ما يجري اليوم يكتب ملامح المرحلة المقبلة… حيث لم يعد النفوذ يُفرض بالقوة فقط، بل يُقاس بقدرة الدول على الصمود وإعادة تعريف قواعد اللعبة.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram