في اليوم الثالث للحرب الإسرائيلية على لبنان، لم يطرأ تغيير يُذكر على مستوى النزوح أو الاستجابة الرسمية، باستثناء ارتفاع عدد المسجّلين في مراكز الإيواء من 29 ألفاً في اليوم الأول إلى 84 ألفاً مساء أمس. فيما لا تزال غالبية المراكز تعاني انعداماً شبه تام في توزيع المساعدات، واقتصر الدعم في بعضها الآخر على مبادرات خجولة. وليس من المبالغة القول إنّ التقديمات والتبرعات، من داخل لبنان وخارجه وعلى مختلف المستويات، تكاد تكون معدومة، ما أبقى الفوضى التي وسمت اليومين الأولين على حالها.
وبالتوازي، يستمرّ تقصير وحدة إدارة الكوارث - أو تعمّدها - في الامتناع عن إعلان الرقم الإجمالي للنازحين. فمن غير المنطقي أن تمرّ ثلاثة أيام على اندلاع الحرب من دون أن تعلن الدولة العدد الفعلي للمتضرّرين، مكتفيةً بإحصاء المسجّلين في مراكز الإيواء. ويبدو أنّ في الأمر محاولة للتقليل من حجم الكارثة الإنسانية، تفادياً لكشف الفجوة الواسعة بين حجم الاحتياجات الفعلية، وبين أداء الدولة في إدارة الأزمة وما تقدّمه من استجابة.
وأبرز ما كشفه اليوم الثالث أيضاً هو الفارق الكبير في التعاطي الشعبي مع ملف النزوح مقارنة بالحرب الماضية. يومها، كان احتضان العائلات النازحة هو المشهد الغالب لدى مختلف مكوّنات المجتمع اللبناني، باستثناء حالات محدودة ومعزولة. أما اليوم، فلم يعد الرافضون لاستقبال النازحين قلّة أو استثناء، بل تتّسع موجة الرفض على نحو غير مسبوق في الحروب الإسرائيلية التي شهدها لبنان سابقاً.
وفي هذا السياق، تُظهر جولة ميدانية في عدد من المناطق امتناع بعض رؤساء البلديات عن الاستجابة لطلب وزارة التربية فتح المدارس الرسمية ضمن نطاقهم كمراكز إيواء، بل وتجاوزهم القرارات الوزارية. وقد سُجّل ذلك في بلدات مثل بتغرين وبكفيا وحارة الناعمة، علماً أن المدرسة الرسمية في بلدة الناعمة فتحت أبوابها لاستقبال النازحين. وبعض من استجاب فعل ذلك على نحو جزئي.
ففي معهد المتين، فُتح طابق واحد من أصل ثلاثة لإيواء 152 عائلة، يفترش بعض أفرادها بلاط الممرات، فيما لا يزال الطابقان الآخران مقفلين بقرار من رئيس البلدية، الذي رفض استقبال عائلات إضافية بحجة عدم توافر القدرة الاستيعابية. والمفارقة أنّ المتين نفسها كانت قد استقبلت خلال الحرب الماضية نحو 300 عائلة في مركزي إيواء، في حين تقرّر اليوم فتح أحدهما فقط، بينما بقي الثاني مقفلاً.
وتواصل بعض البلديات امتناعها عن استقبال النازحين، في ظل تشدّد بلغ حدّ منع تأجير الشقق. فيما لجأت بلديات أخرى في الشوف وكذلك في بتغرين وبكفيا إلى «تلطيف» إجراءات المنع، عبر تحذير المالكين من تأجير شققهم من دون الرجوع إليها، وتعقيد الإجراءات عبر مطالبتهم بإرسال كامل المستندات العائدة إلى الراغبين في الاستئجار، تمهيداً «للتحرّي» عنهم قبل إصدار قرار الموافقة أو الرفض.
ويتجلّى «مناخ اللاتضامن» بصورة أشدّ في المجموعات الخاصة ببعض البلدات في مناطق عدة، من الشوف إلى الشمال وزحلة والحدت وغيرها، حيث تمارس ضغوط اجتماعية على من يرغب في تأجير شقته أو استقبال عائلات تربطه بها صلات اجتماعية، تحت تهديد غير مباشر بـ«ترحيلهم» من البلدة.
تضامن شعبي أقل... وارتفاع المسجّلين في مراكز الإيواء من 29 ألفاً في اليوم الأول إلى 84 ألفاً مساء أمس
ويشير عدد من مسؤولي خلايا الأزمة في بعض المناطق إلى أن كثيراً من المالكين يرفضون التأجير بذريعة الخشية من أن يكون المستأجرون من مسؤولي حزب الله، ما قد يجعل الشقق هدفاً للعدو. وحتى في الحالات التي يُبدى فيها استعداد للتأجير، تكون البدلات خيالية ومضاعفة مرات عدة عن قيمتها الفعلية، مع اشتراطات إضافية، من بينها عدم استقبال رجال والاكتفاء بالنساء والأطفال.
رسمياً، أعلنت وزارة التربية فتح عدد إضافي من المدارس، ما رفع عدد مراكز الإيواء من 321 إلى 399. غير أن المشكلة الأبرز تبقى في ضعف التواصل وإدارة المعلومات. فقد أصدرت وحدة إدارة الكوارث، عند العاشرة والنصف صباحاً، تحديثاً يشير إلى وجود 9 مراكز قادرة على استقبال نازحين، قبل أن تنقطع التحديثات طوال النهار حتى السابعة مساءً، حين أعلنت وجود 42 مركزاً متاحاً من دون ذكر أسمائها، ما يعكس ارتباكاً في إدارة البيانات.
على صعيد المساعدات، تبرز مؤشرات سلبية تنذر بمعاناةٍ مضاعفة تعيشها هذه المرّة العائلات النازحة من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وحتى الآن، لا يبدو أنّ ثمة ما يوحي بتحسّن قريب، في ظل عوامل متشابكة أثّرت بوضوح في مسار عمليات الإغاثة.
في المستوى الأول، تعاني المنظمات الدولية نقصاً في الموارد والتمويل، وهي اليوم بصدد طلب تمويل جديد للتدخل الإنساني أو السعي إلى إعادة توجيه ما تملكه من مخصّصات. وفي الحالتين، جاءت هذه الخطوات متأخرة، علماً بأن الإجراءات الإدارية تستغرق وقتاً، هذا إذا وافق المانحون أصلاً على تقديم الدعم، وهو أمر يبقى رهن المتابعة في الأيام المقبلة.
أما المستوى الثاني، فيتجسّد في التراجع الكبير في التحويلات المالية من اللبنانيين في الخارج ضمن حملات التبرّع القليلة التي أُطلقت، ما يعكس فتوراً ملحوظاً في الاستجابة. ويتقاطع ذلك مع غياب الحماسة والاندفاعة لدى شرائح واسعة من المجتمع الأهلي داخل لبنان لتنظيم مبادرات تطوعية أو الانخراط فيها. صحيح أنّ بعض المبادرات انطلقت، لكنها تبقى محدودة قياساً بما شهدته الحرب الماضية.
وتعود أسباب هذا الفتور إلى خلفيات سياسية واجتماعية متراكمة. فهناك من يعتبر أن الحرب الحالية «ليست حرب لبنان»، وأن المدة الفاصلة بين حرب 2024 واليوم لم تسمح للمجتمع بالتعافي من تداعياتها، فضلاً عن رفض مبدأ الانخراط مجدداً في دورة عنف جديدة. في الحرب السابقة، ارتبطت التعبئة الشعبية بعنوان إسناد غزة والقضية الفلسطينية، في ظل مشاهد إبادة كانت تُبثّ مباشرة على الشاشات، ما عزّز شعوراً عاماً بأن أهالي الجنوب يدفعون ثمناً في سياق قضية أوسع تستوجب احتضانهم. هذا العامل، كما يبدو، غير متوافر اليوم بالزخم نفسه.
إلى ذلك، يبدو أنّ حملات التحريض الإعلامي على حزب الله وبيئته، التي نقلت الخلاف من مستواه السياسي إلى مستوى ثقافوي وهوياتي، عبر خطاب من قبيل «ما بيشبهونا» وتصوير فئة من اللبنانيين كأنها غريبة عن النسيج الوطني، بدأت تترك آثاراً اجتماعية ملموسة. ويُضاف إلى كل ما سبق التدهور الاقتصادي المتواصل خلال العام ونصف العام الماضيين، والذي أضعف قدرة الأفراد والمجتمعات على العطاء. أما الثابت الوحيد، فهو قرار الدولة اللبنانية الامتناع عن تخصيص أي موارد مالية لعمليات الإغاثة.
الجبل «حاضنة» النازحين
ليس تفصيلاً أن يتعرّض الحزب التقدمي الاشتراكي إلى سلسلة افتراءات، من قبيل اتهامه بإيواء عناصر من حزب الله، في سياق محاولات بثّ الخوف لدى المجتمع المضيف للنازحين في الجبل، والإيحاء بأنّ النائب السابق وليد جنبلاط يعرّض الدروز وأرزاقهم لمخاطر استهدافات إسرائيلية، ما استدعى رداً رسمياً من الحزب.
ويرجع هذا التحريض أساساً إلى خطاب جنبلاط الذي شدّد على ضرورة التضامن الداخلي خلال هذه المحنة، وهو نهج تتبناه جميع القوى الفاعلة في الجبل، من الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الأمير طلال أرسلان. وينسحب هذا التوجّه على معظم البلديات، حيث تُظهر الأجواء الواردة من الاجتماعات التنسيقية التزاماً بعدم التضييق على النازحين واستقبالهم في المراكز وخارجها.
وانسحب هذا الجو على المجتمع الأهلي إلى حدّ كبير، فلم يُسجّل قطع طرقات أو رفض تأجير شقق للنازحين إلا في ما ندر، رغم استمرار ممارسات تجار الأزمات من أصحاب الشقق الذين يفرضون أسعاراً خيالية. ومع ذلك، بقي التعاطي الجيد مع ملف النزوح من دون مبادرات فعلية على الأرض، ويُعزى ذلك إلى غياب القدرات والموارد المالية، إضافةً إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة لأهالي الجبل المثقلين بوجود أهالي السويداء الذين هُجّر عدد منهم بعد الأحداث الأخيرة. وتتفاقم صعوبة الوضع بسبب تزامن الحرب مع شتاء الجبل القاسي، ما يزيد الضغط على الأهالي وقدرتهم على تقديم الدعم.
دير «القديس يوسف» وقيَم الوحدة
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان، حوّلت رئيسة مدرسة «كرمل القديس يوسف»، الراهبة مريم النّور العويط، المجموعة الخاصة بالأهالي على «واتساب» إلى مساحة تلاقٍ للاطمئنان عن الأهالي وأقاربهم، والتخفيف عنهم.
والعويط، التي تشدّد في كلّ اجتماعاتها على أن أولويتها تكمن في تلقين التلاميذ المواطنة قبل المنهج التعليمي، أصرّت في تسجيلاتها الصوتيّة على مدار اليومين الماضيين، على تذكير الأهالي أنّ «دير كرمل القديس يوسف» في المشرف مفتوح للأهالي الذين تركوا منازلهم ويحتاجون إلى مأوى، خاتمةً رسالتها: «قلبنا مفتوح لكم، بالنا عندكم وقلبنا معكم وصلواتنا لكم، ونحن إلى جانبكم ومتضامنون معكم».
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :